29.7 ألف متر على طريق الملك فهد.. مزاد «رويال مول» يفتح ملف إعادة تطوير المراكز التجارية في الرياض
قراءة في 8 دقائق

في 27 أكتوبر الجاري، يدخل «رويال مول» في الرياض مزادًا علنيًا يضع أصلًا تجاريًا عمره نحو عقدين أمام معادلة استثمارية تتكرر بصورة متزايدة في المدن الكبرى: هل تستمر قيمة العقار في المبنى والنشاط القائمين، أم تصبح الأرض وما يمكن بناؤه فوقها أكثر قيمة من الاستخدام الحالي؟
يمتد «رويال مول» على مساحة تقارب 29.7 ألف متر مربع في حي الرحمانية، على طريق الملك فهد الفرعي قرب تقاطعه مع طريق الملك عبدالله، ويتكون من طابقين.
ويضم الطابق الأول نحو 80 محلًا تجاريًا، إلى جانب نحو 50 محلًا للذهب والمجوهرات، فيما يضم الطابق الثاني مرافق خدمية حكومية.
طرح العقار للبيع لا يحسم مستقبله، فمن الممكن استمرار تشغيله كمركز تجاري، كما يمكن للمستثمر الجديد أن يدرس إعادة تطويره كليًا أو جزئيًا، وفق الجدوى المالية والاشتراطات العمرانية التي تنطبق على الموقع.
لكن المزاد يفتح ملفًا أوسع يتعلق بمستقبل المراكز التجارية في الرياض، في وقت يتغير فيه نموذج التجزئة في العاصمة وتزداد المنافسة بين المولات التقليدية والوجهات المفتوحة والمشاريع متعددة الاستخدامات.

4.2 مليون متر مربع من التجزئة.. والمنافسة تتغير
تظهر أحدث بيانات سوق التجزئة أن إجمالي المعروض في الرياض وصل إلى نحو 4.2 مليون متر مربع.
وفي النصف الأول من 2026، ارتفع متوسط إيجارات المراكز التجارية الإقليمية وفائقة الإقليمية بنحو 1.2% على أساس سنوي ليصل إلى قرابة 2,650 ريالًا للمتر المربع، بينما استقر معدل الإشغال عند نحو 91%.
هذه الأرقام لا تشير إلى سوق تجزئة يعاني نقص الطلب بصورة عامة. على العكس، الإشغال مرتفع نسبيًا.
لكن المنافسة داخل السوق نفسها تتغير.
فالرياض تستقبل مشروعات تجارية جديدة، فيما يتجه جزء من التطوير العقاري إلى نماذج تجمع بين التجزئة والمطاعم والترفيه والضيافة، بدل الاعتماد على نموذج المركز المغلق الذي يتركز نشاطه حول المحال التجارية فقط.
ويشير تقرير لـ«CBRE» إلى أن قرابة 400 ألف متر مربع من المساحات التجارية الجديدة كانت مقررة للدخول إلى السوق حتى نهاية 2026، بما يزيد الخيارات أمام المستأجرين والمستهلكين ويرفع المنافسة بين الأصول القائمة والمشروعات الجديدة.
بالنسبة إلى المراكز الأقدم، تصبح المسألة أقل ارتباطًا بعمر المبنى في حد ذاته، وأكثر ارتباطًا بقدرته على تحقيق عوائد تنافسية أمام المعروض الجديد.
96% إشغالًا في وجهات «Lifestyle Retail»
الفارق يظهر بصورة أوضح عند النظر إلى المراكز والوجهات المبنية على ما يعرف بـ«Lifestyle Retail».
يضم هذا القطاع في الرياض نحو 485 ألف متر مربع موزعة على 28 مشروعًا، بمتوسط إشغال يبلغ قرابة 96%، أي أعلى من معدل الإشغال البالغ 91% في سوق المراكز التجارية الأوسع.
كما تشكل المطاعم والمقاهي نحو 76% من المستأجرين في هذه الوجهات، بأكثر من 434 مطعمًا ومقهى.
المقارنة لا تعني أن كل مركز تجاري تقليدي أصبح غير قابل للاستمرار، ولا أن نموذجًا واحدًا سينتصر على بقية النماذج.
لكنها تكشف أن جزءًا متزايدًا من المنافسة لم يعد يدور حول عدد المحلات فقط.
الموقع، والمطاعم، والترفيه، والمساحات المفتوحة، وسهولة الوصول، ومدة بقاء الزائر، أصبحت عناصر تدخل بصورة مباشرة في قدرة المشروع على جذب المستأجرين والزوار.

وهنا تبدأ أهمية حالة «رويال مول»
فالأصل قائم ويعمل بالفعل، لكن مشتريه سيحتاج إلى حساب العائد الممكن من الاستمرار في تشغيله بصورته الحالية مقابل العائد الممكن من تحديثه أو إعادة تطوير جزء منه أو تغيير استخدامات الموقع ضمن ما تسمح به الأنظمة.
أسعار العقار التجاري تعطي صورة أكثر تعقيدًا
على مستوى المملكة، انخفض الرقم القياسي لأسعار العقارات التجارية بنسبة 3.2% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وجاء الانخفاض مدفوعًا بصورة رئيسية بتراجع أسعار الأراضي التجارية 3.5%، فيما تراجعت أسعار العمائر التجارية بنحو 0.6%.
أما أسعار المعارض والمحلات التجارية، فارتفعت بنحو 0.4% على أساس سنوي. وعند المقارنة بالربع الأول من 2026، سجلت المعارض والمحلات ارتفاعًا أكبر بلغ 3.8%.
وتحتاج هذه الأرقام إلى قراءة حذرة.
فهي تقيس حركة أسعار أنواع العقارات التجارية على مستوى المملكة، ولا تثبت أن الأصول القديمة تفقد قيمتها أو أن الجديدة تحصل تلقائيًا على علاوة سعرية.
لكنها تكشف أن العقار التجاري ليس سوقًا تتحرك جميع مكوناته في الاتجاه نفسه.
الأرض، والعمارة التجارية، والمحل، والمركز التجاري الكبير، لكل منها اقتصاد مختلف، وهو ما يجعل تقييم أصل مثل «رويال مول» أكثر تعقيدًا من الاعتماد على متوسطات أسعار العقارات التجارية وحدها.
متى يصبح استمرار تشغيل المول أقل جدوى؟
قرار هدم مركز تجاري قائم ليس نتيجة عمر المبنى وحده، كما أن انخفاض الإشغال عن متوسط السوق لا يعني تلقائيًا أن الهدم هو الخيار الأفضل.
المعيار الأول هو صافي الدخل التشغيلي الذي يستطيع الأصل توليده.
المستثمر يحتاج إلى معرفة الإيرادات الإيجارية الفعلية، ونسبة الإشغال، ومدة العقود، وتكلفة التشغيل والصيانة والتحديثات المطلوبة. والفرق بين الإيرادات والمصروفات ينتج صافي الدخل التشغيلي، وهو أحد أهم الأرقام في تقييم الأصل القائم.
إذا كان المول قادرًا على المحافظة على تدفقات نقدية جيدة مع استثمارات محدودة في التجديد، فقد يكون الاحتفاظ بالمبنى وتشغيله أكثر جدوى من هدمه.
لكن المعادلة تتغير إذا احتاج الأصل إلى استثمارات رأسمالية كبيرة لمواكبة المنافسة، أو إذا كانت المساحة المبنية الحالية أقل بكثير مما تسمح به القيمة الاقتصادية للموقع.

ليست مقارنة بين قيمة الأرض وإيجار سنة
القرار الاستثماري الدقيق يقارن بين سيناريوهين.
الأول هو القيمة الحالية لاستمرار تشغيل الأصل، أي التدفقات النقدية التي يمكن أن يولدها المول خلال السنوات المقبلة بعد احتساب التشغيل والصيانة والتجديدات.
أما الثاني فهو القيمة التي يمكن أن يحققها تطوير بديل على الأرض، بعد خصم جميع تكاليف هذا الخيار: الهدم، والبناء، والتمويل، والتصميم، وفترة توقف الإيرادات، وتسويق المشروع الجديد، وأي التزامات قائمة تجاه المستأجرين.
إذا كانت القيمة الصافية للمشروع البديل أعلى بوضوح من قيمة استمرار التشغيل، تبدأ إعادة التطوير في اكتساب جدواها المالية.
أما إذا كان الفرق محدودًا، فقد يكون تحديث الأصل القائم أقل مخاطرة وأسرع في توليد النقد.
لهذا لا يكفي القول إن «الأرض غالية» حتى يصبح الهدم منطقيًا.

29.7 ألف متر.. لكن كم يمكن البناء عليها؟
المساحة وحدها لا تحدد القيمة المحتملة لإعادة تطوير «رويال مول».
المعلومة الأهم للمستثمر ستكون الكثافة العمرانية المسموح بها، واستعمالات الأرض، والارتفاعات، ونسب البناء، والارتدادات، ومواقف السيارات، وإمكانية الجمع بين أكثر من استخدام.
ويجاور «رويال مول» مبنى يتجاوز ارتفاعه 40 طابقًا، وهي نقطة تفتح نقاشًا حول إمكانية التطوير الرأسي في الموقع. لكنها لا تعني أن الاشتراطات نفسها تنطبق تلقائيًا على أرض المول.
لذلك فإن أي سيناريو لتحويل الموقع إلى برج أو مشروع مرتفع يظل فرضية استثمارية إلى أن تتضح الاشتراطات النظامية الخاصة بالقطعة.
وقد تكون النتيجة في النهاية مشروعًا رأسيًا، أو تطويرًا مختلطًا أقل ارتفاعًا، أو تحديثًا للمركز التجاري نفسه.
السعر الذي سينتهي إليه المزاد في 27 أكتوبر سيضيف معلومة مهمة إلى هذه المعادلة، لأنه سيكشف مقدار ما يرغب المستثمرون في دفعه مقابل الأصل وموقعه في ظل هذه الخيارات.

«الفيصلية».. نموذج لإعادة التطوير من دون إلغاء الأصل
تقدم الرياض تجارب سابقة تشرح تعدد الخيارات المتاحة أمام الأصول التجارية القديمة.
ففي مشروع إعادة تطوير منطقة الفيصلية، بدأ العمل بتحديث مركز الفيصلية باستثمار قُدر بنحو 200 مليون ريال، ضمن مشروع أوسع شمل تجديد المركز وهدم مبانٍ مجاورة وإضافة نحو 16 ألف متر مربع من المساحات الجديدة وإنشاء مكونات فندقية ومواقف.
وجرى تنفيذ تجديد المول على مراحل بما يسمح باستمرار تشغيله أثناء جانب من الأعمال، قبل اكتمال المشروع.
الحالة مهمة لأنها توضح أن إعادة التطوير لا تعني دائمًا هدم المركز بالكامل.
يمكن الحفاظ على الأصل، وتحديثه، وزيادة مساحاته، بينما يعاد تطوير أجزاء أخرى من الموقع بصورة أكثر كثافة.

مركز ابن قاسم.. خيار آخر هو التوسعة
وفي نموذج مختلف، بدأت «الرياض القابضة» في 2026 أعمال توسعة وتطوير مركز ابن قاسم على مساحة تتجاوز 153 ألف متر مربع، امتدادًا للمركز القائم.
ويشمل المشروع إضافة أكثر من 95 ألف متر مربع من المساحات التجارية، إلى جانب مساحات للحراج والحدائق وممرات المشاة ومعارض جديدة.
هذا النموذج يقدم مسارًا ثالثًا بين الإبقاء الكامل والهدم الكامل: الحفاظ على النشاط القائم مع إعادة تنظيمه وتوسيعه وتغيير تجربة الاستخدام.
وتختلف حالة مركز ابن قاسم بالطبع عن «رويال مول» من حيث الموقع والنشاط وطبيعة الزوار، لكن المقارنة تشرح تعدد القرارات الممكنة عند التعامل مع أصل تجاري قائم.

المراكز التجارية في الرياض أمام اختبار القيمة
مزاد «رويال مول» لن يجيب وحده عن مستقبل المراكز التجارية في الرياض، لكنه يقدم حالة واضحة لاختبار التحول الذي يمر به السوق.
العقار عمره نحو 20 عامًا ويشغل قطعة كبيرة على أحد المحاور الرئيسية في العاصمة، بينما يتحرك سوق التجزئة في اتجاه تتزايد فيه الوجهات الجديدة والمشروعات المختلطة ومراكز «Lifestyle Retail» ذات الإشغال المرتفع.
وفي المقابل، لا يزال متوسط إشغال المراكز التجارية في الرياض عند 91%، ما يعني أن النموذج التقليدي لم يفقد جدواه ببساطة.
لهذا ستكون نتيجة المزاد أول رقم يستحق المتابعة.
ثم يأتي السؤال الأهم: هل سيشتري المستثمر الجديد «رويال مول» بوصفه مركزًا تجاريًا يولد دخلًا، أم سيشتري 29.7 ألف متر مربع من الأرض في موقع يمكن أن يحمل استخدامًا مختلفًا في المستقبل؟
الفارق بين الإجابتين هو نفسه الذي سيحدد مصير عدد متزايد من الأصول التجارية القديمة مع استمرار تغير المراكز التجارية في الرياض واتساع المعروض والمنافسة في السنوات المقبلة.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



