تخطَّ إلى المحتوى

قصة الصدارة الرابعة للتمور.. كيف صنعت السعودية مكانتها في الأسواق العالمية؟

muhammedsafwat

قراءة في 6 دقائق

قصة الصدارة الرابعة للتمور.. كيف صنعت السعودية مكانتها في الأسواق العالمية؟

على امتداد عقود، ظلت النخلة جزءًا أصيلًا من المشهد الزراعي والاجتماعي في السعودية، وارتبطت التمور بالمائدة والتراث والمواسم الزراعية في مختلف مناطق المملكة. لكن السنوات الأخيرة حملت تحولًا أوسع؛ إذ لم تعد التمور السعودية حاضرة في السوق المحلية فقط، وإنما أصبحت منتجًا تصديريًا ينافس على مستوى العالم.

وتكشف أحدث البيانات عن حجم هذا التحول بوضوح؛ فقد حافظت السعودية على المركز الأول عالميًا في صادرات التمور من حيث القيمة للعام الرابع على التوالي، بعدما بلغت قيمة صادراتها خلال 2025 نحو 1.938 مليار ريال، فيما تجاوز إنتاج المملكة 1.9 مليون طن، وتخطى عدد أشجار النخيل 37 مليون نخلة، ووصلت التمور السعودية إلى أكثر من 125 دولة حول العالم.

وراء هذه الأرقام قصة تتجاوز وفرة المحصول؛ فهي ترتبط بتطوير الزراعة، ورفع جودة المنتج، وتنظيم عمليات التصدير، وتحسين سلاسل الإمداد، وتوسيع الأسواق، وصولًا إلى التعامل مع التمور باعتبارها صناعة تمتد من المزرعة إلى المستهلك العالمي.

1.938 مليار ريال.. ما وراء الرقم

تمثل قيمة الصادرات المسجلة في 2025، والبالغة 1.938 مليار ريال، أحد أبرز المؤشرات على توسع حضور التمور السعودية خارج المملكة، وفق بيانات مركز التجارة العالمي التي أعلنها المركز الوطني للنخيل والتمور.

وسجلت صادرات التمور نموًا بلغ 14.3% خلال 2025، فيما ارتفعت قيمتها بنسبة 59.5% منذ 2021، بما يعكس توسع القطاع في الأسواق الخارجية واستمرار نمو قيمته التصديرية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية مع استمرار المملكة في تصدر صادرات التمور عالميًا من حيث القيمة للعام الرابع على التوالي، إلا أن قراءة المؤشر تتطلب التمييز بين قيمة الصادرات وحجم الإنتاج؛ فالصدارة في القيمة التصديرية تعكس قدرة القطاع على الوصول إلى الأسواق وتحقيق عوائد من المنتج، ولا تعني بالضرورة أن المملكة هي أكبر منتج عالمي من حيث الكمية.

ومن هنا تبدأ قراءة التحول السعودي في قطاع التمور من السؤال الأوسع: كيف أمكن تحويل قاعدة زراعية ضخمة إلى قطاع قادر على المنافسة خارج الحدود؟

أكثر من 37 مليون نخلة.. قاعدة الإنتاج

تستند صناعة التمور السعودية إلى قاعدة إنتاجية واسعة، إذ تجاوز إنتاج المملكة في 2025 1.9 مليون طن، فيما يزيد عدد أشجار النخيل على 37 مليون نخلة.

وتوفر هذه القاعدة كميات كبيرة ومتنوعة من التمور، لكن وفرة المحصول ليست العامل الوحيد في القدرة على المنافسة؛ إذ يرتبط الوصول إلى الأسواق العالمية كذلك بجودة المنتج وتنوع الأصناف وقدرته على تلبية متطلبات المستهلكين والمستوردين.

وتنتج المملكة أكثر من 400 صنف من التمور، وهو تنوع يعكس اختلاف البيئات الزراعية في المناطق المنتجة، ويمنح القطاع نطاقًا واسعًا من المنتجات القابلة للتسويق محليًا وخارجيًا.

وتبرز منطقة القصيم بوصفها إحدى أهم مناطق إنتاج التمور في المملكة، إذ تضم أكثر من 10.8 ملايين نخلة، ويتجاوز إنتاجها 584 ألف طن، إلى جانب أكثر من 13 ألف مزرعة ونحو 30 صنفًا من التمور، وفق أحدث بيانات المركز الوطني للنخيل والتمور المنشورة عن المنطقة.

وتشكل هذه القاعدة الإنتاجية نقطة الانطلاق لسلسلة اقتصادية أطول، تتجاوز عملية الحصاد إلى التجهيز والتصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير.

125 دولة.. الرحلة من المزرعة إلى المستهلك

الوصول إلى أكثر من 125 دولة يتطلب منظومة تتجاوز إنتاج التمور، إذ تمر الثمار بعد الحصاد بمراحل متعددة تشمل الفرز والتجهيز والتعبئة والتخزين والنقل والشحن، إلى جانب استيفاء الاشتراطات التي تفرضها الأسواق المستوردة.

وفي هذا السياق، تشير وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى وجود 80 مركز تصدير معتمدًا للتمور، إلى جانب جهود تستهدف رفع كفاءة عمليات التصدير وتحسين جودة المنتج الموجه إلى الأسواق الخارجية.

كما أطلقت الوزارة الهوية الموحدة لصادرات التمور السعودية، في خطوة تستهدف تعزيز حضور المنتج السعودي في الأسواق العالمية وتوحيد صورته التصديرية.

وتتوسع قنوات الوصول إلى المستهلك الخارجي عبر الشراكات مع شركات عالمية ومنصات إلكترونية وسلاسل تجزئة، بما يتيح للتمور السعودية الوصول إلى أسواق وقنوات بيع متنوعة.

وبذلك أصبحت الرحلة التجارية للتمرة السعودية أكثر تعقيدًا من مسار «المزرعة إلى السوق»، إذ باتت تمر عبر منظومة متكاملة من الجودة والخدمات اللوجستية والتسويق قبل وصولها إلى المستهلك في الخارج.

الجودة.. شرط المنافسة العالمية

في الأسواق الدولية، لا تكفي القدرة على توفير كميات كبيرة من التمور، إذ ترتبط المنافسة بجودة المنتج واستقرار الإمدادات والالتزام بالاشتراطات الصحية والفنية ومتطلبات المستوردين.

ولهذا ارتبط تطوير القطاع ببرامج تستهدف تحسين الممارسات الزراعية ورفع كفاءة الإنتاج والتصدير، وتعزيز قدرة المنتجين والمصدرين على التعامل مع الأسواق الخارجية.

وتشير وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى تسجيل أكثر من 600 مزرعة ضمن مبادرة الممارسات الزراعية السليمة، إلى جانب مشاركة المصدرين السعوديين في المعارض والفعاليات الدولية للتعريف بالمنتج وفتح قنوات تسويقية جديدة.

كما يربط المركز الوطني للنخيل والتمور نمو الصادرات بتطوير سلاسل الإمداد ورفع كفاءة التصدير وتوسيع الحضور في الأسواق العالمية، من خلال مبادرات من بينها «تمكين صادرات التمور السعودية ودخولها للأسواق العالمية».

وهنا تتحول الجودة من مرحلة فنية في عملية الإنتاج إلى عنصر أساسي في القيمة الاقتصادية للمنتج وقدرته على الاستمرار في المنافسة.

من التمرة إلى منتجات ذات قيمة مضافة

ولا تتوقف فرص القطاع عند تصدير التمور في صورتها التقليدية، إذ يمثل التصنيع وتطوير المشتقات مسارًا آخر لزيادة القيمة الاقتصادية للمحصول.

وتدخل التمور ومشتقاتها في منتجات غذائية متعددة، تشمل المخبوزات والحلويات والألبان والمشروبات والوجبات الخفيفة، فيما يعمل المركز الوطني للنخيل والتمور على دعم تطوير منتجات جديدة والاستفادة من التنوع الكبير في أصناف التمور السعودية.

وتعني زيادة القيمة المضافة أن العائد الاقتصادي لا يرتبط ببيع المحصول فقط، وإنما يمتد إلى مراحل التصنيع والتعبئة والتطوير والتسويق، بما يوسع دائرة الأنشطة المرتبطة بالقطاع ويفتح المجال أمام صناعات وخدمات مساندة.

وهكذا تتحول النخلة إلى نقطة بداية لسلسلة اقتصادية تمتد من الزراعة إلى التصنيع والنقل والتسويق والتصدير، وتخلق قيمة تتجاوز قيمة الثمرة عند خروجها من المزرعة.

الصدارة الرابعة.. والتحدي هو الاستمرار

تمثل المحافظة على المركز الأول عالميًا للعام الرابع على التوالي محطة مهمة في مسار صادرات التمور السعودية، لكنها تضع القطاع في الوقت نفسه أمام تحدي الحفاظ على قدرته التنافسية مع اتساع نطاق الأسواق.

فالوصول إلى أكثر من 125 دولة يعني التعامل مع أسواق تختلف في أذواق المستهلكين واشتراطات الاستيراد وأنظمة التوزيع، ما يجعل الحفاظ على الجودة واستقرار الإمدادات وتطوير المنتجات عناصر أساسية لاستمرار النمو.

ومن ثم، لا يتعلق التحدي المقبل بزيادة حجم الصادرات فقط، وإنما برفع القيمة التي يحققها المنتج السعودي وتعزيز حضوره في الأسواق التي وصل إليها، إلى جانب الاستمرار في فتح أسواق وقنوات جديدة.

وتصبح الصدارة في هذه الحالة نتيجة لمنظومة متكاملة تبدأ من المزرعة، لكنها لا تنتهي إلا عند وصول المنتج إلى المستهلك والمحافظة على قدرته على المنافسة.

النخلة السعودية.. من إرث زراعي إلى صناعة عالمية

تكشف قصة التمور السعودية أن التحول لم يحدث في الحقول وحدها، وإنما في المنظومة الاقتصادية التي تشكلت حول النخلة.

فأكثر من 37 مليون نخلة توفر قاعدة إنتاجية واسعة، وأكثر من 400 صنف تمنح المنتج تنوعًا كبيرًا، فيما تدعم مراكز التصدير وسلاسل الإمداد عملية الوصول إلى الأسواق، وتعمل البرامج والمبادرات المتخصصة على رفع الجودة وتعزيز حضور المنتج خارج المملكة.

وفي قلب هذا التحول يقف رقم 1.938 مليار ريال، قيمة صادرات التمور السعودية خلال 2025، مع استمرار المملكة في المركز الأول عالميًا من حيث قيمة صادرات التمور للعام الرابع على التوالي.

وبذلك لم تعد التمور السعودية مجرد محصول ينتقل من النخلة إلى السوق، وإنما أصبحت جزءًا من صناعة متكاملة تبدأ بالزراعة وتنتهي بالمستهلك العالمي، في رحلة تعبر أكثر من 125 دولة وتحول منتجًا ارتبط طويلًا بالتراث والمائدة السعودية إلى سلعة تصديرية ذات حضور عالمي.

 

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.