تخطَّ إلى المحتوى

من الحجر والطين إلى «المَرو».. كيف صنعت عسير هويتها المعمارية من بيئتها؟

muhammedsafwat

قراءة في 5 دقائق

من الحجر والطين إلى «المَرو».. كيف صنعت عسير هويتها المعمارية من بيئتها؟

مع حلول اليوم العالمي للعمارة في بداية أكتوبر من كل عام، تستعيد منطقة عسير واحدة من أكثر تجاربها العمرانية ارتباطًا بالمكان، حيث لم تكن الجبال مجرد تضاريس صعبة أمام البنّاء، وإنما تحولت إلى مادة للبناء وأساس لتشكيل القرى والمساكن. ومن الحجر والطين والخشب والموارد المتاحة محليًا، نشأت عمارة استطاعت عبر قرون أن تستجيب لحاجات السكان، وتحتمي بخصائص البيئة بدلًا من مواجهتها.

وتكشف العمارة التقليدية في عسير عن علاقة وثيقة بين الإنسان ومحيطه؛ فالمباني الحجرية والطينية تتدرج على سفوح الجبال، وبعضها يرتفع إلى عدة طوابق، بينما تتشكل واجهاتها من الحجر والمَرو والخشب، في نموذج تداخلت فيه الوظيفة مع الجمال، وأصبح البناء جزءًا من المشهد الطبيعي لا عنصرًا منفصلًا عنه.

وتوضح خريطة العمارة السعودية تعدد الأنماط المعمارية في المنطقة، التي تشمل عمارة مرتفعات أبها، وعمارة جبال السروات، وعمارة أصدار عسير، وعمارة سفوح تهامة، وعمارة ساحل تهامة، وهو تنوع ارتبط بتباين التضاريس والموارد والظروف المناخية بين أجزاء المنطقة.

البناء الرأسي.. استجابة لتضاريس الجبل

يعد الاتجاه إلى الارتفاع من أبرز سمات العمارة العسيرية التقليدية، إذ دفع ضيق المساحات في البيئات الجبلية البنّائين إلى استثمار المساحة رأسيًا، فظهرت مبانٍ متعددة الطوابق بدت في بعض القرى امتدادًا طبيعيًا للجبال التي شُيدت عليها.

وتبرز بلدة رُجال في محافظة رجال ألمع بوصفها أحد أبرز النماذج العمرانية القديمة، إذ تشير المصادر التراثية إلى أن عمر بعض مبانيها يتجاوز ثلاثة قرون. وشُيدت مباني البلدة من الحجر والطين والخشب، وبلغ ارتفاع بعضها ثمانية طوابق، فيما تضم حصونًا ومنشآت متعددة الأدوار ارتبطت بالسكن وتخزين المؤن والحماية.

وكان ارتفاع المباني مرتبطًا بطبيعة الأرض بقدر ارتباطه بالحاجة إلى استثمار المساحات المحدودة، فضلًا عن الأغراض الدفاعية ومراقبة الممرات والطرق. كما جرى توزيع الوظائف داخل المبنى، بحيث تخصص أجزاء للسكن وأخرى لتخزين المؤن والمحاصيل.

وتتجسد هذه الوظائف أيضًا في القصبات التي شكلت مكونًا بارزًا في المشهد العمراني العسيري، إذ أقيمت في مواقع مرتفعة لمراقبة الطرق ومداخل القرى، واستخدمت بعض نماذجها لحفظ الحبوب والمؤن، فيما زُود بعضها بفتحات صغيرة لأغراض المراقبة والدفاع.

وفي مناطق مختلفة من عسير، ولا سيما أصدار المنطقة، تظهر الأبراج الحجرية المرتفعة ذات الطابع الحصين، ويصل ارتفاع بعضها إلى ستة طوابق، بينما تتجاوز بعض المنشآت التراثية 20 مترًا، في دلالة على مهارة البنّاء المحلي في التعامل مع البناء الرأسي فوق التضاريس الوعرة.

مواد محلية.. ووظائف تتحول إلى جمال

اعتمد البناؤون على الموارد المتاحة في البيئة، فكان الحجر من أهم عناصر البناء في مناطق السراة ورجال ألمع، إلى جانب الطين المستخدم في الجدران وبعض العناصر الإنشائية، فيما أدى الخشب أدوارًا إنشائية وزخرفية، خاصة في الأسقف والأبواب والنوافذ.

وتشير دراسة «العمارة التقليدية في عسير» للدكتور علي مرزوق إلى أن توظيف هذه المواد لم يكن مرتبطًا بتوافرها فقط، وإنما جاء نتيجة معرفة متراكمة بخصائصها وطرق استخدامها بما يتناسب مع المناخ والتضاريس وطبيعة المنشأة.

ومن أبرز الحلول المحلية تقنية «الرقف»، التي تعتمد على بروز أجزاء حجرية من الجدار لحماية الأسطح الطينية من مياه الأمطار. ومع كونها معالجة إنشائية، تحولت التقنية في الوقت نفسه إلى عنصر جمالي يمنح الواجهات إيقاعًا هندسيًا متكررًا.

وتظهر القيمة الجمالية للمواد المحلية بوضوح في استخدام «المَرو»، وهو حجر أبيض لامع يُجمع من المناطق الجبلية، ثم يكسر إلى قطع صغيرة تستخدم في تزيين الواجهات، خصوصًا حول الأبواب والنوافذ وفي الأجزاء العلوية من المباني.

وتشكل قطع المَرو تكوينات هندسية متنوعة، تشمل المثلثات والمربعات والخطوط الرأسية والأفقية، فتظهر على خلفية الحجر الداكن وتمنح الواجهات تباينًا لونيًا واضحًا، يحول الجدار من مجرد عنصر إنشائي إلى مساحة للتعبير الفني.

حرفة متكاملة تحفظها المصطلحات

وتكشف المصطلحات المحلية المرتبطة بالبناء عن منظومة مهنية متكاملة عرفتها عسير قديمًا؛ فـ«الباني» كان يتولى مهمة معلم البناء والمسؤول عن المقاسات وتوجيه العمل، ويساعده عدد من العمال، من بينهم «الشُقاة»، بينما يتولى «المنظي» جلب الحجارة وتكسيرها وتهذيبها، ويقوم «الكاحل» بملء الفراغات بين الأحجار الكبيرة بالأحجار الصغيرة.

وكانت عملية البناء تبدأ باختيار الموقع وإعداد الأساسات، أو ما يعرف محليًا بـ«الربض»، ثم ترتفع الجدران تدريجيًا وفق مقاييس وخبرات متوارثة، قبل تنفيذ النوافذ والعناصر الزخرفية والتفاصيل النهائية.

وتقدم هذه المصطلحات صورة عن البناء بوصفه مهنة تخصصية متكاملة، لم تنتقل عبر المخططات المكتوبة فقط، وإنما عبر الممارسة والتدريب وتراكم الخبرة من جيل إلى آخر، بما أتاح تطوير حلول تتلاءم مع طبيعة الأرض والمواد المحلية.

ولم يتوقف الإبداع عند الحجر والطين، إذ أسهمت النجارة التقليدية في استكمال هوية المباني من خلال الأبواب والنوافذ والأسقف. واستخدم الحرفيون الأخشاب المحلية، ومن بينها خشب الطلح، في صناعة أبواب زُينت بتكوينات هندسية ونباتية استندت إلى تقسيمات زخرفية متوارثة تتقاطع مع جماليات الفن الإسلامي.

«القط العسيري».. الفن الذي امتد إلى داخل البيت

وامتد حضور الفن إلى داخل المنازل من خلال فن القط العسيري، الذي ارتبط بتزيين الجدران والفراغات الداخلية، وأسهمت النساء في إنتاجه باستخدام تشكيلات هندسية وألوان متناسقة أصبحت جزءًا من الهوية البصرية للمنطقة.

وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» فن القط العسيري ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2017، ليصبح أحد المكونات التي تعكس خصوصية الثقافة البصرية في عسير.

وبذلك تتجاوز العمارة التقليدية في المنطقة الجانب الإنشائي، لتقدم سجلًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكانها؛ فالبيت والبرج والقصبة ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية، بينما حملت الزخارف والحرف اليدوية ذاكرة المجتمع وذائقته الفنية.

وتكشف التجربة العمرانية العسيرية عن قدرة المعرفة المحلية على التكيف مع البيئة، بدءًا من اختيار الموقع ومواد البناء، مرورًا بارتفاعات المباني وحلول مواجهة الأمطار وتقنيات تثبيت الأحجار، وصولًا إلى توزيع الوظائف داخل المنشأة وفق احتياجات السكان وطبيعة المكان.

إرث يتقاطع مع مفاهيم العمارة المستدامة

وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة، تكتسب هذه التجربة أهمية تتجاوز بعدها التراثي، إذ تستحضر مبادئ حاضرة في النقاش المعاصر حول العمارة المستدامة، وفي مقدمتها الاستفادة من المواد المحلية، وفهم المناخ، والتكيف مع التضاريس، وتحقيق التوازن بين الوظيفة والجمال.

ومن سفوح السروات إلى قرى رجال ألمع وأصدار عسير، تظل المباني التقليدية صفحات حية من تاريخ المكان، تحفظ خبرات البنائين والحرفيين المحليين، وتقدم نموذجًا على أن العمارة التي تنطلق من فهم البيئة واحترام مواردها تستطيع أن تتجاوز وظيفتها الأصلية، لتتحول إلى ذاكرة بصرية وهوية ثقافية وحضارية متجددة لمنطقة عسير.

 

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.