تخطَّ إلى المحتوى

من مجموعة العائلة إلى الرأي العام… هل واتساب أقوى من الترند؟

alyturk

قراءة في 4 دقائق

من مجموعة العائلة إلى الرأي العام… هل واتساب أقوى من الترند؟

أنغام السقاف – مستشار إعلامي

لم تعد الأخبار تنتظر أن نذهب إليها. تعرف طريقها إلينا جيدًا، وتدخل أحيانًا من أكثر الأبواب ألفة: رسالة من صديق، محادثة خاصة، أو (مجموعة العائلة).

بين صورة عائلية ورسالة صباحية، قد يظهر خبر أو مقطع أو تسجيل صوتي يتبعه تعليق قصير وواثق: “شوفوا هذا”.

وقد لا نعرف من صوّر المقطع، أو من كتب الخبر، أو أين بدأ أصلًا، لكننا نعرف من أرسله.

وهنا يحدث شيء يستحق التأمل: المعلومة واحدة، لكن طريق وصولها إلينا مختلف.

فنحن قد نقف أمام منشور من حساب مجهول ونسأل فورًا: من قال؟ أين المصدر؟ هل هذا صحيح؟ لكن حين تصل المعلومة من شخص نعرفه ونثق به، فإننا نستقبلها بطريقة مختلفة.

نتحدث كثيرًا عن «الترند» بوصفه أحد أكثر أشكال التأثير وضوحًا. نراقب المشاهدات والتفاعل والموضوعات المتصدرة، لأن هذا التأثير ظاهر ويمكن قياسه. لكن ماذا عن التأثير الذي لا يظهر أصلًا في قوائم الأكثر تداولًا؟

فكرة تنتقل داخل دوائر صغيرة، من هاتف إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، وتجد طريقها بين أشخاص تجمعهم معرفة سابقة وثقة متراكمة، من دون ملايين المشاهدات أو وسم متصدر.

وربما لا يحتاج بعض أكثر المؤثرين في قراراتنا اليومية إلى علامة توثيق زرقاء. يكفي أحيانًا أن يكون الاسم محفوظًا في قائمة جهات الاتصال.

فالترند يستمد قوته من الظهور والانتشار، أما واتساب فقد يستمد قوته من القرب والثقة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تداول معلومة داخل مجموعة خاصة؛ فالرأي العام لا يتكوّن كله في العلن. قد تبدأ بعض القناعات داخل دوائر صغيرة، ثم تتسع تدريجيًا، قبل أن تظهر لاحقًا في نقاش عام أو وسم متصدر. وما نراه على المنصات قد يكون أحيانًا المرحلة الأكثر ظهورًا من رحلة بدأت قبل ذلك في أماكن لا تقيسها مؤشرات التفاعل.

وهذا التداخل بين الخاص والعام لم يعد مجرد انطباع. ففي ألمانيا، تستخدم مؤسسة Tagesschau الإخبارية واتساب لإيصال تحديثاتها الإخبارية إلى الجمهور. وفي يناير 2026 وصفت المفوضية الأوروبية واتساب بأنه خدمة «هجينة» تجمع بين خصائص المراسلة الخاصة والمنصة الإلكترونية، بعدما تجاوزت «القنوات» عتبة 45 مليون مستخدم في الاتحاد الأوروبي، مع بقاء المحادثات الخاصة خارج هذا التصنيف.

التطبيق نفسه الذي تمر عبره رسالة عائلية عفوية قد يصبح بعد لحظات نافذة لخبر مؤسسي أو تحذير عام.

وفي المشهد الأوسع، يكشف Digital News Report 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد تحولًا لافتًا؛ إذ أصبحت شبكات التواصل ومنصات الفيديو، في متوسط 48 سوقًا، أكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت من المواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية. وفي الوقت نفسه تظل الثقة في الأخبار عبر شبكات التواصل أقل من الثقة في الأخبار عمومًا.

أي أننا نصل إلى مزيد من الأخبار عبر بيئات لا نمنحها الثقة نفسها. وقد تفعل العلاقة الشخصية شيئًا مختلفًا؛ فحين تصل المعلومة عبر شخص نعرفه، قد تستعير من رصيده لدينا قدرًا من المصداقية لا يأتي من مضمونها وحده.

وفي السعودية يكتسب هذا المعنى وزنًا أكبر؛ إذ يضع تقرير «إنترنت السعودية 2025» واتساب في صدارة تطبيقات التواصل الاجتماعي استخدامًا بنسبة 92.7%. لكن الرقم وحده لا يروي القصة؛ الأهم هو ما يحدث للمعلومة داخل هذا الاستخدام الواسع.

ومع كل إعادة إرسال، لا تنتقل المعلومة وحدها؛ ينتقل معها أثر الطريق الذي سلكته. وقد يصل الخبر بعيدًا عن مصدره الأول، محاطًا بأسماء نعرفها وعلاقات نثق بها، فيصبح مسار انتقاله جزءًا من الطريقة التي نستقبله بها.

في لحظة التلقي، قد يتراجع حضور المصدر، وتتقدم العلاقة.

ولهذا لا يقتصر أثر هذه الثقة على الأخبار والآراء؛ فهي قد تصبح أيضًا مدخلًا للاحتيال الرقمي. ففي دول مختلفة، حذرت الجهات المختصة من أساليب تنتحل صفة الأصدقاء أو أفراد العائلة أو الجهات الموثوقة عبر تطبيقات المراسلة، وأحيانًا بعد الاستيلاء على حساب حقيقي.

فالمحتال لا يحتاج دائمًا إلى بناء الثقة من الصفر؛ يكفي أحيانًا أن يختبئ خلف اسم نثق به.

وهنا تكمن المفارقة: ثقتنا بالأشخاص قد تكون في محلها تمامًا، لكنها لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى ثقة بكل ما يمر عبرهم.

اسم المرسل قد يؤثر في قبولنا للرسالة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن مصدرها.

ولهذا قد لا يكون واتساب أقوى من الترند في صناعة الضجيج. فالترند يستطيع أن يملأ شاشاتنا، وأن يجعلنا نشعر بأن الجميع يتحدث عن الموضوع نفسه.

لكن واتساب يملك نوعًا آخر من القوة؛ أقل ظهورًا، وأكثر قربًا. فبعض المعلومات لا تحتاج إلى ملايين المشاهدات كي تؤثر فينا. يكفي أحيانًا أن تصل من شخص نعرفه.

فتصبح المسافة بين مجموعة العائلة والرأي العام أقصر مما نتصور.

وأحيانًا…

لا تتجاوز زرًا واحدًا:

إعادة توجيه.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.