تخطَّ إلى المحتوى

حين يحمل المشهور رسالة العلم

muhammedsafwat

قراءة في 5 دقائق

حين يحمل المشهور رسالة العلم

د. يوسف القرشي
أستاذ مساعد واستشاري طب النوم والتنفس

قضيت سنوات طويلة في البحث العلمي؛ أقرأ الدراسات، وأكتب الأبحاث، وأشارك في المؤتمرات، وألقي المحاضرات، وكتبت كتابًا كاملًا عن النوم. وكحال كثير من الباحثين، كنت أؤمن بأن نشر المعرفة العلمية يبدأ من المختبر والجامعة، ثم يشق طريقه إلى المجتمع.

لكن تجربة قصيرة خلال الأسبوعين الماضيين جعلتني أعيد التفكير في جزء من هذه المعادلة.

أتيحت لي فرصة قضاء وقت قريب من عدد من المشاهير والمؤثرين، وخلال أحاديثنا تحدثنا ببساطة عن النوم: كيف ننام؟ لماذا ننام؟ وما الممارسات التي قد تؤثر في جودته؟ لم تكن محاضرات علمية، ولا قاعة مؤتمر أو شرائح عرض؛ كانت أحيانًا معلومة تُقال في دقيقة، أو سؤالًا عابرًا يتبعه جواب بسيط.

ومن الأمثلة التي أعادت تشكيل قناعتي: مقطع قصير لا تتجاوز مدته دقيقة، جمعني بالمؤثر عزيز مسمار في حوار خفيف وطريف عن الشخير: متى يكون طبيعيًا، ومتى يستدعي القلق؟ اختصرت الفكرة في جملة واحدة: أن الشخير المتكرر أكثر من ثلاث مرات أسبوعيًا ليس أمرًا يُستهان به، ويستدعي مراجعة مختص.

خلال ساعات قليلة، لم يبقَ هذا الكلام حبيس ذلك المقطع. تناقلته حسابات متخصصة في رصد المحتوى الرائج، وتحول إلى بطاقة اقتباس مستقلة وصلت إلى جمهور واسع لم يكن ليطّلع على الرسالة لو بقيت في إطارها العلمي المعتاد. لم أخطط لذلك؛ كانت لحظة عفوية بين صديقين، لكنها تحولت دون قصد إلى مثال حي على الفكرة التي أطرحها هنا.

وفي تجربة أخرى، جمعتني سلسلة من المقاطع القصيرة مع المؤثر أبو نورة الفوزان، تناولنا خلالها أسئلة سريعة يطرحها الناس عن النوم: هل النوم على جانب معين أفضل من آخر؟ كيف نضبط الساعة البيولوجية؟ وما النصائح لمن يعمل بنظام الورديات؟ وهل تؤثر حرارة الغرفة في جودة النوم؟ أسئلة بسيطة تلامس تفاصيل يومية يعيشها كثيرون، لكن المثير بالنسبة لي لم يكن في الأسئلة نفسها، بل في المسافة التي قطعتها الإجابات؛ فمعلومة قد أشرحها في قاعة دراسية لعشرات الأشخاص، وصلت هنا خلال وقت قصير إلى جمهور أكبر بكثير.

ولم تكن التجربة مقتصرة على هذين المثالين. فقد شاركني عدد من المؤثرين، من بينهم ناصر العودة وعبدالله الراشد وفهد البقمي وأبو داحم وغيرهم، في تقديم مقاطع ومعلومات علمية قصيرة عن النوم، وكل تجربة منها أكدت لي الفكرة ذاتها:

المعرفة وحدها لا تكفي… الوصول جزء من الرسالة.

ولهذا، فإن الحديث عن أثر المؤثرين هنا لا يكتمل دون شكرهم. أشكر بشكل خاص ناصر العودة وعزيز مسمار، وأبو نورة الفوزان، وعبدالله الراشد، وفهد البقمي، وأبو داحم وكل من منحني من وقته ومنصته ومساحته أمام جمهوره لإيصال معلومة علمية قد تنفع إنسانًا. وما بدا في بعض الأحيان حديثًا عابرًا أو مقطعًا لا يتجاوز دقيقة، كشف لي عمليًا حجم الدور الذي يمكن أن يقوم به المؤثر عندما يضع تأثيره في خدمة المعرفة.

لدينا في الجامعات والمراكز البحثية معرفة هائلة؛ تُنشر آلاف الدراسات سنويًا، وتقام المؤتمرات والندوات. لكنها غالبًا تدور داخل دائرة محدودة: الباحث يكتب للباحث، والمتخصص يتحدث إلى المتخصص. وفي الجهة الأخرى، هناك من يحمل هاتفًا فقط، لكنه يمتلك شيئًا بالغ الأهمية: انتباه الناس وثقتهم.

المؤثر اليوم ليس مجرد شخص يعلن عن منتج أو يوثق يومياته؛ في كثير من الحالات أصبح وسيلة إعلام قائمة بذاتها، يصل إلى ملايين دون استوديو تلفزيوني أو مؤسسة إعلامية تقليدية. وهذه القوة يمكن أن تكون تحديًا إذا استُخدمت لنشر معلومة خاطئة، لكنها فرصة هائلة حين يلتقي صاحب المعرفة بصاحب التأثير.

لا نحتاج أن يتحول المشهور إلى عالم، ولا أن يتحول العالم إلى مشهور؛ نحتاج فقط أن يفهم كل طرف قيمة الآخر. العالِم يمتلك المعلومة ومنهج التحقق منها، والمؤثر يعرف جمهوره ويمتلك القدرة على جعله يتوقف لثوانٍ ليسمع. وحين يجتمع الاثنان، يمكن أن تتحول ورقة علمية لا يقرأها إلا عشرات المتخصصين إلى فكرة يفهمها مئات الآلاف.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم «نشر المعرفة» في مؤسساتنا العلمية؛ فالأثر لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأبحاث المنشورة أو الاستشهادات، بل بسؤال آخر يستحق أن نطرحه: كم إنسانًا وصلت إليه هذه المعرفة، وهل غيّرت فهمه أو سلوكه؟

هذا بالطبع لا يقلل من قيمة البحث العلمي؛ فهو الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة. لكن المعرفة التي تبقى خلف أبواب الجامعات تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على إحداث الأثر. وأبحاث الاتصال العلمي الحديثة بدأت بالفعل تتعامل مع وسائل التواصل باعتبارها مساحة حقيقية لنقل العلم إلى المجتمع، لا مجرد قناة إضافية للنشر، وأظهرت أن المحتوى القصير قادر على تحقيق تفاعل واسع حين يُقدَّم بلغة الجمهور وأسلوبه.

لكن هذه الشراكة تحمل مسؤولية أيضًا؛ فكلما اتسعت دائرة الوصول، أصبحت الدقة أكثر أهمية. تبسيط المعلومة لا يعني تشويهها، وجذب الانتباه لا يبرر المبالغة، وعدد المشاهدات لا ينبغي أن يعلو على صحة الرسالة.

خرجت من هذه التجربة بقناعة مختلفة قليلًا عمّا دخلت به: كنت أعتقد أن مهمتي كباحث تنتهي عندما أصل إلى المعلومة الصحيحة وأشرحها جيدًا. اليوم أعتقد أن هناك خطوة أخرى: أن أبحث عمّن يستطيع أن يحمل هذه المعلومة معي إلى أبعد مكان ممكن.

فالعلم لم يُكتب للمجلات العلمية وحدها، ولم تُبنَ الجامعات ليبقى ما تنتجه داخل أسوارها؛ العلم كُتب للإنسان. وإذا كان المؤثر قادرًا على أن يجعل هذا الإنسان يتوقف لدقيقة ليسمع معلومة قد تغيّر نومه أو صحته، فعلينا ألا ننظر إلى هذه الدقيقة باستخفاف؛ فربما تكون أكثر أثرًا من محاضرة كاملة لم يحضرها إلا القليل.

العلم يملك الحقيقة، والمؤثر يملك الوصول؛ وحين يجتمعان، يصل الأثر إلى حيث يجب أن يصل.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.