الخطاب الملكي.. مَن يملك الغد؟
قراءة في 4 دقائق

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ @Alshaikh2
أخطر ما تفعله الفوضى أنها تصادر الغد قبل أن يصل.. تترك للناس يومهم، ثم تجعل كل ما يخططون له رهينة صاروخ، أو ميليشيا، أو ممر بحري يتهدده الابتزاز، وحين يصبح المستقبل عرضةً للمصادرة، تتجلى مسؤولية الدولة في أعمق معانيها: أن تمنح الناس القدرة على بناء حياتهم، وأن تمنع الآخرين من امتلاك حق هدمها.
بهذا المعنى تتصل مضامين الكلمة الملكية السنوية التي ألقاها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.. كلمة تصل التاريخ بالمستقبل، والتنمية بالحماية، وطموح المواطن بقوة دولته.. فيحرس الأمن ما يبنيه الإنسان، ويزيد ما يبنيه الإنسان الوطن قوةً.
بدأت الكلمة من الأصل: دولة تكمل في يوم التأسيس القادم ثلاثمائة عام منذ نشأتها، قائمة في كل مراحلها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، متمسكة بالتوحيد والعدل، في «نهج لن نحيد عنه»، وفي اجتماع التوحيد بالعدل تتحدد مرجعية الحكم ومسؤوليته، فالإيمان يهدي، والعدل يصون الحقوق، والعمران يزدهر حين يأمن الإنسان على ثمرة سعيه، وتأتي خدمة الحرمين الشريفين شرفًا متوارثًا، تتجدد أمانته كلما تعاقبت الأجيال.
ثلاثة قرون تضع على الحاضر مسؤوليةً بحجمها: أن يصون الجذور، ويضيف إلى أسباب البقاء، فالتاريخ الذي يستحق الفخر يستحق أن يضاف إليه.. والوفاء للمؤسسين يكون أيضًا بأن يجد الأبناء وطنًا أقدر على مواجهة عصرهم.. هكذا يصبح الإرث تكليفًا، ويغدو التحديث استمرارًا لمسؤولية التأسيس بأدوات زمن جديد.
من هنا تتصل ثلاثمائة عام بعشر سنوات من رؤية السعودية ٢٠٣٠، حققت فيها مؤشرات أداء برامجها واستراتيجياتها ٩٣٪ من مستهدفاتها، ونمت الصادرات غير النفطية ١٥٥٪ مقارنةً بعام ٢٠١٦، وبلغت مساهمة القطاع الخاص ٥١٪.. هذه الأرقام تقيس ما تحقق، وتفتح سؤالًا أبعد: كم اتسعت قدرة المملكة على أن تختار طريقها بنفسها؟
فكل قدرة إنتاجية تتوطن تزيد القرار الوطني مناعة، وكل مصدر جديد للدخل يحرر جانبًا من المستقبل من الارتهان لتقلبات مصدر واحد، وحين تتصدر المملكة عالميًا مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني، وتسمي عام ٢٠٢٦ عام «الذكاء الاصطناعي»، فإنها تدرك أن السيادة في هذا العصر تكتب أيضًا بالصفر والواحد، وبهذا المعنى تعمل التنمية في صميم الأمن الوطني.. إذ تمنح الدولة أسباب الصمود قبل أن تأتي ساعة اختباره، وتوسع خياراتها حين تضيق الخيارات من حولها.
ثم تمنح الكلمة الأرقام وجوه أصحابها، حين تنسب النجاح، بعد فضل الله، إلى كفاءة المواطنين والمواطنات «الذين كانوا أصل كل نجاح».. عبارة تضع الإنسان في موضعه من المشروع: صاحب جهد ومعرفة ومبادرة، يحمل الوطن في عمله اليومي.. ويحمل الوطن مسؤولية توسيع فرصه، وصون كرامته، وتمكين قدرته على المشاركة.
ولهذا يتصدر التعليم والصحة أولويات الاهتمام والميزانية، ففي قاعة الدرس تتكون القدرة التي سيحتاج إليها الوطن غدًا، وفي جودة الرعاية تصان حياة مَن سيصنع ذلك الغد، وحين تتسع فرص العمل، تتحول المعرفة إلى أثر، وينفتح أمام المواطن طريق يرى فيه ثمرة اجتهاده.. عندئذ تقرأ التنمية في حياة الناس كما تقرأ في المؤشرات.
ولأن الطريق إلى المستقبل يمر بعالم متغير، قررت الكلمة أن التخطيط الطويل المدى «لا يعني الثبات والسكون، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات».. هنا تظهر صلابة الرؤية: تعرف وجهتها، وتملك شجاعة تطوير وسائل الوصول إليها، فالمشروع الكبير يحتاج عقلًا يميز بين الثبات على الغاية وتجميد الطريق.
وفي الطاقة ظهر الأثر العالمي لهذه القدرة، وسط أزمة وصفتها الكلمة بأنها «مفتوحة الاحتمالات»، أدت المملكة دور «صمام لأمن الطاقة العالمي»، باستمرار توفير الإمدادات رغم التصعيد، هكذا يصل أثر الاستقرار السعودي إلى أعمال وأرزاق في بلاد بعيدة.. وتتجسد مسؤولية القوة في قدرتها على إبقاء أسباب الحياة جارية، حين تهدد الفوضى بقطعها.
وهذه المسؤولية تحتاج ما يحميها، فما يبنى على امتداد سنوات يجب أن تحرسه قدرة تمنع المعتدي من اختصاره في لحظة خراب، لذلك حين تؤكد الكلمة أن البلاد تملك «قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة»، فإنها تخاطب الطالب والعامل والمستثمر أيضًا.. فكل واحد منهم يحتاج أن يطمئن إلى أن ما يبدأه اليوم لن يكون غدًا تحت رحمة مَن يهدد وطنه.
ولأن ما يصيب الجار يبلغ الدار، جاء التأكيد أن الأمن الخليجي «كل لا يتجزأ»، وجاء حلف مكة الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان، والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية الممرات الدولية، ورفض استغلالها «أداة ضغط سياسي أو اقتصادي»، فما يعبر البحر يصل إلى المصنع والبيت.. وأمن الممر الذي تمر به السلع جزء من أمن الحياة التي تنتظرها.
ويجتمع ذلك مع بذل الجهد لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية «من دون أدنى تهاون» في حفظ الأمن.. الدبلوماسية تفتح بابًا يجنب الشعوب الخسائر، والردع يحرسه من معتد يظن الحرص على السلام إذنًا بالعدوان.
وفي فلسطين واليمن والسودان، تتصل المواقف بحق الشعوب في دولة تحمي وجودها وقرارها: دولة فلسطينية مستقلة، وحكومة يمنية تبسط سلطتها، وسودان تصان وحدته ومؤسساته، فحيث تغيب المؤسسات تحكم البنادق، ويصبح الإنسان مضطرًا إلى طلب حقه ممن يملك القدرة على سلبه.
لهذا تأتي ثلاثية الختام محصلةً لبناء متكامل: «ليبقى الأمن مظلة لبلادنا، والاستقرار درعًا لها والازدهار نهجها».. في عهد الملك سلمان، وبالمشروع الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان، تتصل الجذور بأسباب القوة، ويجد الطموح ما يسنده، ويتقدم الإنسان إلى صدارة المشهد.
فمَن يملك الغد؟ مَن يمنح أبناءه القدرة على صنعه.. ويمنع خصومه من مصادرته.
السعودية التي ورثت تاريخها بجدارة..
تعمل كي يرث أبناؤها مستقبلهم بسيادة.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



