تخطَّ إلى المحتوى

حين تحتاج الفكرة إلى صورة

alyturk

قراءة في 3 دقائق

حين تحتاج الفكرة إلى صورة

د. رياض بن ناصر الفريجي

قد يمتلك الإنسان فكرة عظيمة، ويعرفها جيدًا، ثم يعجز عن إيصالها إلى الآخرين! فالمعرفة شيء، والقدرة على نقلها شيء آخر.

وهنا تبدأ واحدة من أهم مهارات الاتصال: أن تعيد بناء ما تعرفه بالصورة التي يستطيع الآخر أن يفهمها.

فالمتلقي لا يعيش داخل عقل صاحب الرسالة، ولا يعرف المقدمات التي أوصلته إلى فكرته، ولهذا يقع بعض الخبراء والمتخصصين في مفارقة اتصالية لافتة: كلما ازدادت معرفتهم بالموضوع، أصبح من السهل أن يفترضوا أن الآخرين يرون ما يرونه هم؛ فتُختصر مقدمات، وتُستخدم مصطلحات، وتُبنى الرسالة على معرفة سابقة لا يملكها المتلقي.

وهنا قد تكون الفكرة قوية، وصاحبها خبيرًا، ومع ذلك تفشل الرسالة؛ لأن المسافة بين قصد المرسل وإدراك المتلقي بقيت بلا جسر.

وما يبدو للمتحدث واضحًا قد يصل إلى جمهوره مجردًا ومعقدًا، فيستجيب بالطريقة المعتادة: مزيد من الكلمات، ومزيد من التفاصيل، ومزيد من الشرح

مع أن الفكرة ربما كانت تحتاج إلى صورة.

والصورة هنا أوسع من صورة تُعرض على شاشة؛ فقد تكون مثلًا، أو تشبيهًا، أو قصة قصيرة، أو مشهدًا يتشكل في الذهن؛ وهذه في جوهرها عملية اتصالية مهمة: تحويل المعنى المجرد إلى تمثيل ذهني يستطيع المتلقي إدراكه واستعادته، فبدل أن نشرح له العلاقات بين عناصر الفكرة واحدة بعد أخرى، نمنحه بناءً يساعده على رؤيتها مجتمعة.

وفي علم النفس المعرفي ظاهرة معروفة بإسم “تفوّق الصورة” إذ أظهرت دراسات الذاكرة أن الصور -في ظروف عديدة- تُتذكر بصورة أفضل من الكلمات، وهذه المعلومة لا تدعونا إلى استبدال الكلمات بالصور، بقدر ما تكشف قيمة التمثيل البصري في استقبال المعلومات واستعادتها.

وهنا تلتقي الذاكرة بالاتصال؛ فنجاح الرسالة لا يتوقف عند صحة المعلومات التي أرسلناها، ممتداً إلى الكيفية التي تشكّل بها معناها في ذهن المتلقي.

ولهذا أرى أن بعض مشكلات الاتصال التي نعالجها بزيادة الشرح قد تحتاج إلى معالجة مختلفة.

في اجتماع مثلًا، قد تعرض الإدارة عشر شرائح لتشرح معنى «التكامل بين الإدارات»، ثم يخرج الموظفون وكل منهم يحمل تصورًا مختلفًا؛ وربما كان مثالٌ واحد محكم قادرًا على بناء مساحة مشتركة للفهم، تجعل الجميع يرون المعنى نفسه.

فالرسالة الاتصالية الناجحة لا تُختبر بسلامة ما يقوله المرسل وحدها، وإنما بالمعنى الذي استطاع المتلقي أن يبنيه منها.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك الفكرة وامتلاك القدرة على إيصالها: الأول معرفة، والثاني اتصال.

وهذه المسألة تتجاوز الاجتماعات والعروض إلى التعليم والإعلام والخطاب المؤسسي؛ فكثير من الرسائل تحمل معرفة ثمينة، ثم تفقد جانبًا من أثرها حين ينشغل أصحابها بدقة ما يقولون أكثر من انشغالهم بكيفية تشكّل المعنى لدى من يسمعهم.

ويأتي نشر هذا المقال متزامنًا مع اليوم الدولي للترجمة، وهي مناسبة تفتح معنى اتصاليًا أوسع لفكرة الترجمة؛ فنحن في الاتصال نمارس نوعًا آخر من ترجمة المعاني، حين نحوّل المعرفة التي في أذهاننا إلى كلمات وصور وأمثلة يستطيع الآخر أن يفهمها، وكلما كانت الفكرة أكثر تخصصًا، ازدادت حاجتها إلى من يحسن نقلها من لغة الخبير إلى لغة المتلقي.

لذلك، قبل أن نضيف فقرة أخرى إلى خطاب، أو شريحة جديدة إلى عرض، أو تفسيرًا إضافيًا إلى رسالة، يستحق أن نسأل: هل يحتاج المتلقي إلى مزيد من الشرح، أم يحتاج أن يرى ما نقوله؟

فالبلاغة الاتصالية ليست في تقليل الكلمات دائمًا، ولا في الإكثار منها؛ وإنما في اختيار الطريق الذي يصل بالمعنى واضحًا إلى ذهن المتلقي.

وأحيانًا يكون أقصر طريق بين فكرتين…صورة.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.