تخطَّ إلى المحتوى

ميزانية السعودية 2027: أعنف ارتداد اقتصادي مرتقب.. وحصافة مالية تحرسه

taha

قراءة في 5 دقائق

ميزانية السعودية 2027: أعنف ارتداد اقتصادي مرتقب.. وحصافة مالية تحرسه

حين تصدر وزارة المالية بيانها التمهيدي في خريف كل عام، فهي ترسم – قبل كل شيء – مزاج الدولة من العام المقبل. ومزاج ميزانية 2027 واضح منذ السطر الأول: ثقة كاملة بالغد، وحذر كامل في إدارة الطريق إليه.

صحيح أن الناتج المحلي الحقيقي سيغادر عامه الحالي منكمشًا بنسبة 3.6 في المئة بفعل تراجع الأنشطة النفطية، غير أن ما يقع تحت هذا الرقم ظل صلبًا طوال العام، من نمو مستمر للأنشطة غير النفطية إلى تضخم لم يتجاوز نصف المعدل العالمي وبطالة سعودية في مستوياتها المنخفضة تاريخيًا.

وعلى هذا الأساس تبني الوثيقة توقعاتها: نمو حقيقي عند 12.8 في المئة في 2027، أعلى وتيرة تظهر في جداول البيان على الإطلاق. وهي ميزانية تقرأ المستقبل بعين الواثق، وتدير حاضرها بعقل الحارس.

كيف تستعد المملكة لأعنف ارتداد اقتصادي؟

أول ما يلفت النظر في جداول البيان أن الوفرة القادمة لا تُصرَف مقدمًا. فبينما يتوقع البيان نمو الناتج المحلي الاسمي بنسبة 7.6 في المئة في 2027، قفزًا من 4,978 إلى 5,358 مليار ريال، تضع الوزارة إيراداتها عند 1,202 مليار ريال، بزيادة لا تتجاوز واحدًا في المئة عن توقعات العام الحالي البالغة 1,190 مليارًا.

هذا التحفظ يجسد قاعدة حوكمة صرحت بها الوثيقة نفسها؛ إذ بُنيت التقديرات على سيناريوهات متعددة تمتد بين إيرادات 1,261 مليارًا في أحسن الأحوال و1,134 مليارًا في أقساها، بما يمنح الحكومة مساحة مالية مرنة تتعامل من خلالها مع أي مسار تتخذه أسواق النفط والاقتصاد العالمي.

وهكذا تُبنى الميزانية على أسوأ السيناريوهات وتستعد لأفضلها، فإذا جاء العام المقبل بأي من الاحتمالات كانت الخطة جاهزة له.

كيف ينحسر العجز وفق مسار مدروس؟

يتواصل هذا الانضباط في مسار العجز نفسه؛ إذ ستسجل ميزانية 2027 عجزًا عند 191 مليار ريال، أي 3.6 في المئة من الناتج المحلي، لتنجح بذلك في خفض الفجوة من 4.9 في المئة متوقعة للعام الحالي، بعد عام 2025 الذي أغلق عند 5.8 في المئة، وصولًا إلى 3.1 في المئة في 2028.

وتكتمل الصورة بالبنية التي تحمل هذا المسار؛ فالنفقات ترتفع تدريجيًا من 1,392 إلى 1,544 مليار ريال حتى 2029، ما يعني أن الانحسار يتحقق مع استمرار تمويل الأولويات التنموية من دون المساس بها.

وتصف الوزارة هذا النهج بأنه يأتي «في إطار سياسة مالية تستند إلى الحيّز المالي المتاح»، يمكّنها من «تبني سياسات مالية متوازنة عبر مختلف الدورات الاقتصادية»، وهي المعادلة التي تجمع بين دعم النمو والمحافظة على الاستدامة في آن واحد.

كيف تصنع المملكة من التمويل رافعة قوة؟

تقدم الوثيقة نفسها الدليل على أن هذا المسار لا يقوم على استدامة مالية هشة؛ فقد بلغت الأصول الاحتياطية 1.85 تريليون ريال في الربع الثاني من العام الحالي، مرتفعة بنسبة 8.1 في المئة عن العام السابق، وهي تغطي الدين الخارجي البالغ 624.9 مليار ريال بنسبة 284 في المئة، أي قرابة ثلاثة أمثال الحد الأدنى الذي يوصي به صندوق النقد الدولي.

وقد انعكس هذا المركز القوي على تقييم وكالات التصنيف مباشرة؛ إذ أكدت موديز تصنيف المملكة عند Aa3، وأكدت كل من ستاندرد آند بورز وفيتش التصنيف عند A+ بنظرة مستقبلية مستقرة، وذلك رغم عام كامل من التوترات الجيوسياسية.

ومن هذا الموقع تعلن الوزارة «التوسع المدروس في الاقتراض وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى»، عبر السندات والصكوك والقروض بتكلفة عادلة، مع التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل من تمويل المشاريع والبنى التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، على أن تنشر خطة الاقتراض التفصيلية نهاية العام الحالي.

إنها استراتيجية تستفيد من عمق الأسواق المحلية والدولية لتواصل الإنفاق على الأولويات، بينما تبقى الاحتياطيات في موضعها راسخة.

كيف تحول غير النفطي إلى صمام أمان الاقتصاد؟

خلف هذه الأرقام تعمل القصة الأعمق التي تفسر ثقة الوثيقة. ففي عام تراجعت فيه الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المئة، واصل النشاط غير النفطي التقدم بمعدل 3.2 في المئة، ورفع مساهمته في الناتج المحلي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3 في المئة خلال النصف الأول.

وتنعكس هذه القوة على بنية الإيرادات بصورة مباشرة؛ إذ قفزت الإيرادات غير النفطية من 166 مليار ريال في 2015 إلى 505 مليارات في 2025، لتغطي 36 في المئة من النفقات بدلًا من 17 في المئة قبل عقد.

وامتد الأثر إلى حياة الناس؛ فالتضخم يتوقع أن يغلق العام عند 2.1 في المئة في مستويات مستقرة قياسًا بالأوضاع العالمية، والبطالة بين السعوديين هبطت إلى 6.5 في المئة في مستوياتها المنخفضة تاريخيًا، في دليل مضاف على أن مسيرة التنويع انتقلت من خانة الهدف المستقبلي إلى خانة القدرة القائمة التي تصمد في أصعب الظروف.

عام أثبت صلابة البنية الاستراتيجية

ولا تكتمل الصورة دون الالتفات إلى الاختبار الذي مرت منه المملكة هذا العام. فقد اضطربت حركة الملاحة في الممرات البحرية وتعرضت منشآت نفطية لاستهداف، ومع ذلك حافظت المملكة على استمرارية إمداداتها للأسواق العالمية عبر خط أنابيب شرق-غرب والموانئ المتاحة على ساحل البحر الأحمر، في مرونة وصفها البيان بأنها ثمرة استثمار يمتد منذ أكثر من أربعة عقود.

وبالأرقام، انخفض متوسط إمدادات الخام إلى 7.9 مليون برميل يوميًا بين يناير وأغسطس مقابل 9.2 مليون برميل في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما قفز متوسط سعر خام برنت إلى 87 دولارًا للبرميل مرتفعًا بنسبة 23.9 في المئة. وتتشكل خريطة التجارة من جديد لصالح البحر الأحمر؛ إذ استوعبت موانئه 40.7 في المئة من الصادرات غير النفطية و48.3 في المئة من الواردات خلال الأزمة، مقابل 19.3 و23.1 في المئة قبلها، في تحول يعزز موقع المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا.

تتكامل الأرقام في مشهد واحد: إيرادات غير نفطية تضاعفت ثلاث مرات في عقد، ونمو مرتقب عند 12.8 في المئة هو الأعلى في جداول البيان، وأصول احتياطية تغطي كل ريال من الدين الخارجي بما يقارب ثلاثة ريالات. ميزانية 2027 تروي قصة دولة تعرف إلى أين تتجه، وتعرف أكثر كيف تحرس الطريق إليه.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.