من «فال» إلى خمس فئات.. تصنيف جديد يعيد ترتيب سوق الوساطة العقارية
قراءة في 6 دقائق

لم يعد امتلاك رخصة «فال» وحده كافيًا لقراءة صورة سوق الوساطة العقارية في السعودية؛ فبعد ثلاثة أعوام من دخول نظام الوساطة العقارية حيز التنفيذ، اتسعت قاعدة الممارسين المرخصين، وتزايدت الصفقات والإعلانات والعقود التي تمر عبر المنظومة المنظمة. ومع هذا الاتساع، تتجه الهيئة العامة للعقار إلى خطوة جديدة: تصنيف المنشآت وفق أدائها الفعلي، لا وفق وجود الترخيص فقط.
ويأتي هذا التحول في وقت تجاوز فيه إجمالي رخص الوساطة العقارية الصادرة للأفراد والمنشآت 117 ألف رخصة حتى نهاية يونيو 2026، فيما تجاوز عدد الصفقات البيعية والإيجارية المسجلة منذ نفاذ النظام 13 مليون صفقة بقيمة إجمالية تخطت 1.6 تريليون ريال. كما بلغ عدد عقود الوساطة 1.1 مليون عقد، وتجاوز عدد الإعلانات العقارية 1.2 مليون إعلان.
وفي هذا السوق المتسع، طرحت الهيئة مسودتي دليلي تصنيف منشآت الوساطة والتسويق العقاري ومنشآت المزادات العقارية عبر منصة «استطلاع» خلال الفترة من 30 سبتمبر إلى 30 أكتوبر 2026، تمهيدًا لدراسة المرئيات قبل الإقرار النهائي.
لماذا يأتي التصنيف الآن؟
الفكرة الأساسية في التصنيف المقترح هي الانتقال من سؤال «هل المنشأة مرخصة؟» إلى سؤال أكثر تفصيلًا: «ما مستوى أدائها وقدرتها التشغيلية والتزامها؟».
وتستهدف مسودة دليل تصنيف منشآت الوساطة والتسويق العقاري المنشآت المرخصة، من خلال مؤشرات قابلة للقياس تغطي الخبرة والنشاط الفعلي والقدرة التشغيلية والالتزام والتطوير المهني. وتشمل المعايير 8 عناصر: عدد الموظفين بدوام كامل، عدد الفروع، عدد سنوات الخبرة، عدد عقود الوساطة المنتهية، قيمة عقود الوساطة المنتهية، عدد المخالفات، عدد الدورات التدريبية المكتملة، ونسبة الموظفين السعوديين.
وبذلك، لا ينظر النموذج إلى حجم المنشأة بمعزل عن أدائها؛ فعدد العاملين والفروع يقيسان جانبًا من القدرة التشغيلية، بينما تقيس العقود وقيمتها النشاط الفعلي، وتدخل المخالفات والتدريب ونسبة السعوديين في قياس جوانب الالتزام والتطوير المهني.
وهذا التوجه يأتي في سوق أصبحت فيه الوساطة نشاطًا أكثر توثيقًا وتنظيمًا. فخلال العام الأول فقط من تطبيق النظام، بلغت قيمة الصفقات العقارية أكثر من 605 مليارات ريال، منها 305 مليارات ريال للصفقات السكنية و300 مليار ريال للصفقات التجارية، فيما وثقت الهيئة قرابة 219 ألف عقد وساطة وأصدرت آنذاك 35.255 ألف رخصة لوسطاء أفراد و19.735 ألف رخصة لمنشآت الوساطة.
خمس فئات بدلًا من سوق بلون واحد
تقسم المسودة منشآت الوساطة والتسويق العقاري إلى خمس فئات وفق الدرجة الإجمالية التي تحققها المنشأة في نموذج التقييم.
وتضم الفئات الأربع التصنيفية: الأولى الماسية، والثانية الذهبية، والثالثة الفضية، والرابعة البرونزية، بينما تمثل الفئة الخامسة حالة «غير نشط» للمنشآت التي لا تظهر لديها عقود وساطة منتهية خلال فترة التقييم، وفق البيانات المعتمدة لدى الجهات ذات العلاقة، أو للمرخصين الموقوفين بقرار من الهيئة.
وتبدأ المنشأة الحاصلة على رخصة جديدة تلقائيًا من الفئة الرابعة ابتداءً من تاريخ إصدار الرخصة، ثم تتحدد مكانتها في دورات التصنيف وفق بيانات أدائها الفعلية. ويُجرى التصنيف على أساس دورة سنوية، بما يسمح بأن تتغير النتيجة مع تغير أداء المنشأة.
ولا يقتصر أثر التصنيف على وضع اسم المنشأة في فئة معينة؛ إذ تحصل الفئات الأربع الأولى على شهادة تصنيف رسمية، وتنشر نتائج التصنيف على موقع الهيئة، بينما تحصل الفئة الأولى على ميزة إضافية تتمثل في الدعوة إلى حفلات التكريم والجوائز.
سوق يتسع.. والمنصات تدخل على الخط
اتساع السوق لا يظهر فقط في أعداد الرخص والصفقات، وإنما يمتد إلى القنوات الرقمية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية الوساطة والتسويق. فقد رخصت الهيئة 71 منصة عقارية إلكترونية برخصة «فال» للوساطة والتسويق العقاري للمنصات العقارية منذ بدء العمل بنظام الوساطة العقارية، بعد استيفائها الشروط والمتطلبات وإكمال الربط التقني مع الهيئة.
وتكتسب المنصات أهمية إضافية في ظل اتجاه الهيئة إلى ضبط الإعلانات العقارية وربطها بالترخيص والبيانات النظامية؛ إذ أكدت أن رخصة «فال» هي الوثيقة الرسمية التي تخول الأفراد والمنشآت ممارسة أنشطة الوساطة والخدمات العقارية المشمولة في النظام، وأن المنصات غير المرخصة معرضة للإجراءات النظامية.
وفي المقابل، لم تعد الرقابة تركز على وجود الترخيص فقط، بل امتدت إلى ممارسة النشاط والإعلانات والامتثال. وخلال العام الأول من تطبيق النظام، نفذت الهيئة 58 حملة رقابية مشتركة، ووقفت ميدانيًا على أكثر من 34 ألف إعلان عقاري، كما نفذت أكثر من 67 ألف عملية مسح ومعالجة إلكترونية واستقبلت وعالجت نحو 9100 بلاغ.
وتعكس هذه الأرقام سبب ارتباط التصنيف بمعيار المخالفات؛ فالمنشأة لا تُقاس فقط بعدد صفقاتها أو فروعها، وإنما يدخل سجلها التنظيمي ضمن الصورة التي تحدد موقعها في السوق.
من الوساطة إلى المزادات.. معيار مختلف للسوق
ولا تتوقف عملية إعادة الترتيب عند منشآت الوساطة والتسويق، إذ طرحت الهيئة بالتوازي مسودة دليل لتصنيف المنشآت المرخصة لنشاط المزادات العقارية.
وتضم معايير تصنيف منشآت المزادات 9 عناصر، تشمل سنوات الخبرة، وعدد الموظفين بدوام كامل، ونسبة الموظفين السعوديين، وعدد المزادات المنعقدة، وعدد العقارات المدرجة في المزادات، والتوزيع الجغرافي للعقارات التي تمت ترسيتها، ونسبة الترسية على العقارات المدرجة، وقيمة العقارات التي تمت ترسيتها، إضافة إلى عدد المخالفات.
وتختلف طبيعة هذه المعايير عن الوساطة؛ فبدل التركيز على عقود الوساطة وقيمتها، تقيس مسودة المزادات قدرة المنشأة على إدارة نشاط المزاد نفسه، من عدد المزادات والعقارات إلى نسب الترسية والقيمة النهائية للأصول.
ويأتي ذلك في قطاع أصبح له حجم تشغيلي واضح؛ إذ أعلن مركز الإسناد والتصفية «إنفاذ» أن الحقوق المستوفاة خلال الفترة من 2022 إلى 2025 تجاوزت 55 مليار ريال، منها 20 مليار ريال في 2025، الذي شهد أكثر من 1,690 مزادًا وطرح أكثر من 10,182 أصلًا.
التوطين يدخل في معادلة التقييم
ومن بين المعايير التي تعكسها مسودتا التصنيف نسبة الموظفين السعوديين، وهو معيار يرتبط بإطار أوسع من تنظيم سوق العمل العقاري.
وكانت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قد أقرت توطين المهن العقارية المستهدفة بنسبة 100%، وتشمل مهن الوسيط العقاري، ووسيط بيع وتأجير العقارات، وسمسار الأراضي والعقارات، وكاتب تسجيل الأراضي والعقارات، والمسوق العقاري، ومدير اتحاد الملاك، ضمن قرار توطين الأنشطة والمهن العقارية.
وبذلك، يتحول التوطين في نموذج التصنيف من مجرد التزام تنظيمي إلى أحد المؤشرات التي تدخل في تقييم أداء المنشأة، إلى جانب الخبرة والتدريب والنشاط الفعلي والمخالفات.
ويكشف هذا التداخل عن طبيعة النموذج الجديد؛ فالهيئة لا تنظر إلى المنشأة باعتبارها مجرد وسيط ينفذ صفقات، وإنما ككيان له قدرة تشغيلية، ونشاط موثق، وخبرة، وموظفون، وفروع، ومستوى التزام، واستثمار في التطوير المهني.
ماذا يعني ذلك للسوق؟
إذا تحولت المسودتان إلى قواعد معتمدة، فإن أثرهما لن يقتصر على إصدار شهادة جديدة للمنشآت، وإنما سيمنح السوق وسيلة أكثر وضوحًا للتمييز بين مستويات الأداء. فوجود أكثر من 117 ألف رخصة وساطة وأكثر من 13 مليون صفقة بقيمة تتجاوز 1.6 تريليون ريال يعني أن السوق أصبح كبيرًا بما يكفي ليحتاج إلى أدوات تتيح قراءة الفروق بين المرخصين.
كما أن وجود 71 منصة عقارية مرخصة يضيف طبقة أخرى من المنافسة والتنظيم، خصوصًا مع توسع الإعلانات العقارية الرقمية وارتباطها بالترخيص والبيانات الرسمية.
والأهم أن التصنيف المقترح ليس تصنيفًا ثابتًا؛ فالهيئة توضح أن التصنيف يُحدّث سنويًا، بما يسمح بأن تتغير مكانة المنشأة تبعًا لتطور أدائها، كما يمكن للمرخص تقديم طلب تعديل عندما يلاحظ نقصًا أو عدم دقة في البيانات المرتبطة بالنتيجة.
من «هل أنت مرخص؟» إلى «ماذا حققت؟»
بهذا المعنى، تمثل مسودتا التصنيف مرحلة مختلفة في تطور سوق الوساطة العقارية السعودية. فـ«فال» أسست قاعدة الممارسة المرخصة، بينما يحاول التصنيف المقترح بناء طبقة جديدة فوق هذه القاعدة، تقوم على قياس الأداء وإظهار الفروق بين المنشآت.
والمؤشر الأوضح على هذا التحول أن السوق لم يعد صغيرًا أو محدود النشاط؛ فخلال ثلاثة أعوام فقط تجاوزت الصفقات المسجلة 13 مليون صفقة، وتخطت قيمتها 1.6 تريليون ريال، مع أكثر من 117 ألف رخصة وساطة و1.1 مليون عقد وساطة و1.2 مليون إعلان عقاري.
لكن التصنيف لا يزال، في هذه المرحلة، مسودة مطروحة للاستطلاع، وليس نظامًا نهائيًا نافذًا. ومن ثم فإن الفئات والمعايير وآليات التطبيق تظل مرتبطة بما ستنتهي إليه مرحلة استقبال المرئيات والملاحظات قبل الإقرار النهائي.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



