تخطَّ إلى المحتوى

نعرف أكثر مما نطبق

teba3

قراءة في 3 دقائق

نعرف أكثر مما نطبق

د. سعود النداح

لم يمر على هذه الأرض جيل يعرف عن النوم بقدر ما يعرف جيلنا وهو أقل الأجيال نوماً. ولم يشاهد جيل محتوى عن الرياضة بقدر ما نشاهد ونحن أكثر الأجيال جلوساً.

نقرأ عن التركيز في أجهزة صُممت بعناية لتشتيتنا ونحفظ فوائد النوم المبكر ونحن ساهرون على ما لا ينفع ونتداول مقاطع عن بر الوالدين وهواتفنا أقرب إلينا من مجالسهم.

المعرفة في أعلى مستوياتها عبر التاريخ والتطبيق في أدناه. مفارقة تستحق الوقوف عندها طويلاً؛ فقد كان الجهل قديماً هو العائق عن الفعل فما عذر جيل يعرف كل شيء؟

الجواب المزعج أننا اكتشفنا حيلة مريحة: المعرفة تمنح شعور الإنجاز دون دفع كلفته.

فالذي يشاهد مقطعاً عن الانضباط يغادره وفي صدره ارتياح خفي كأنه أنجز شيئاً مع أن شيئاً في حياته لم يتحرك؛ عقله كافأه على النية كما لو كانت فعلاً فشبع من الوهم وفقد دافع الحقيقة.

وهكذا تحول الاستهلاك المعرفي عند كثيرين إلى نوع من الترفيه فصرنا نتابع محتوى التطوير كما نتابع المسلسلات تماماً بفارق واحد أن المسلسل لا يوهمنا أننا تحسنّا بعد مشاهدته.

والأدهى أن المعرفة صارت عند بعضنا أداة تأجيل لا أداة تقدم.

فالذي يريد أن يبدأ مشروعاً يقرر أولاً أن «يقرأ أكثر عن الموضوع» والذي يريد إنقاص وزنه يقضي شهراً يوازن بين الأنظمة الغذائية والذي ينوي الادخار يتنقل بين محتوى المؤثرين الماليين وحسابه كما هو.

ظاهر الأمر اجتهاد وباطنه هروب مهذب؛ فمشاهدة فيديو إضافي عن الإنتاجية هي أرقى طريقة لتأجيل الإنتاج نفسه وجمعُ الأدوات متعة لا تلزم صاحبها ببناء شيء.

وعلماء الإدارة يسمون هذه الظاهرة «فجوة المعرفة والفعل» وقد حيرتهم في المؤسسات قبل الأفراد: شركات تعرف مشكلاتها بدقة وتدفع للمستشارين ليكتبوا لها ما تعرفه أصلاً ثم تضع التقارير في الأدراج وتواصل ما كانت عليه.

فالمعرفة يتضح أنها أسهل مراحل التغيير جميعاً لأنها الوحيدة التي لا تطلب منك أن تتخلى عن راحتك وكل ما بعدها يطلب.

وقديماً لخص السلف المسألة في عبارة واحدة: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. تأمل كلمة «ارتحل»؛ لم يقولوا يبقى معلومة محفوظة بلا نفع، قالوا يغادر صاحبه كلياً لأن المعرفة التي لا تُستعمل تفقد حتى صفتها معرفةً وتصبح مجرد كلام مخزّن.

ولهذا كانوا يقيسون علم الرجل بسلوكه لا بمحفوظه وكان الواحد منهم يتعلم الآيات العشر فلا يجاوزهن حتى يعمل بما فيهن.

كانت المعرفة عندهم دفعات صغيرة تُسدد فوراً وصارت عندنا مخزوناً راكداً نفاخر بحجمه.

والمخرج من هذه الفجوة لا يكون بمزيد من المعرفة قطعاً فهذا كمن يعالج التخمة بوجبة إضافية. يكون بقلب المعادلة: لا معلومة جديدة قبل تطبيق واحدة سابقة.

اقرأ أقل واعمل بما قرأت وحوّل كل محتوى يعجبك إلى سؤال واحد: ما الذي سيتغير في يومي غداً بسببه؟ فإن لم تجد جواباً فأنت تترفه لا تتعلم، والترفيه مشروع ما دام صادقاً مع نفسه.

إن الفجوة بين ما نعرفه وما نفعله هي المسافة الحقيقية بين ما نحن عليه وما كان يمكن أن نكونه.

والجاهل قديماً كان يمشي معذوراً بجهله أما نحن فنقف كل مساء أمام مرايا تعرف كل شيء ولا تفعل شيئاً. لم يعد السؤال اليوم ماذا تعرف؟ صار السؤال الذي يستحق الإجابة: ماذا فعلتَ بما تعرف؟

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.