من يناديك باسمك؟
قراءة في 3 دقائق

د. سعود النداح
متى آخر مرة سمعت اسمك مجردًا من كل شيء؟ لا دكتور قبله ولا أستاذ ولا مهندس ولا أبو فلان ولا لقب وظيفي يسبقه. راجع يومك كله وربما أسبوعك فستكتشف أن اسمك الذي عشت به طفولتك صار عملةً نادرةً لا يتداولها إلا قلة. كبرنا فأكلت الألقاب أسماءنا ولم ينتبه أحد منا لحظة وقوع الوجبة.
والاسم ليس كلمةً تعريفيةً كما نظن. هو أول هدية تلقيتها في هذه الحياة اختارها لك من أحبك قبل أن يراك وتداولها بيت كامل فرحًا بقدومك. عشت به سنواتك الأولى نقيًّا بلا إضافات ثم بدأ العالم يلبسك الألقاب لقبًا فوق لقب حتى غطت الهدية الأولى تمامًا. والغريب أننا نستقبل كل لقب جديد بالفرح ولا نشعر أن شيئًا عزيزًا ينسحب من التداول في المقابل.
والفارق بين النداءين أعمق مما يبدو. اللقب يخاطب دورك في الحياة والاسم يخاطبك أنت؛ فمن يناديك «يا دكتور» يتعامل مع وظيفتك وخبرتك وما يمكن أن تقدمه له، ومن يناديك باسمك المجرد يتعامل مع الإنسان الذي كان موجودًا قبل الشهادات وسيبقى بعد التقاعد. ولهذا كانت القاعدة التي تصدق في أغلب الأحوال: من يناديك باسمك غالبًا يريدك أنت ومن يناديك بلقبك غالبًا يريد ما عندك.
وقد فطن «كارنيجي» إلى طرف من هذا حين قال إن اسم الإنسان أعذب صوت تسمعه أذنه. لكن النبي صلى الله عليه وسلم سبق إلى جوهر المسألة عمليًّا؛ كان يدعو أصحابه بأحب أسمائهم وكُناها حتى الطفل الصغير نال نصيبه: «يا أبا عمير ما فعل النغير». نداء واحد لطفل بقي في ذاكرة الأمة أربعة عشر قرنًا لأن من يُحسن نداءك يلمس فيك شيئًا أعمق من مسمعك.
وهنا مفارقة اجتماعية تستحق التأمل: كلما صعد الإنسان في السلم قلّ عدد الذين ينادونه باسمه. يبدأ حياته والجميع يعرفه باسمه الأول ثم مع كل ترقية يتقاعد صوت من الأصوات التي كانت تناديه به، حتى يبلغ قمة لا يصله فيها إلا المنصب. والذين يشكون وحشة المناصب العالية إنما يشكون في العمق شيئًا محددًا: غياب الأصوات التي كانت تناديهم مجردين. فالقمة لا تكون موحشة لقلة الناس حولها، تكون موحشة لأن كل من حولها يخاطب الكرسي.
وللاسم المجرد مواطن يعود فيها رغم كل الألقاب. في بيت أمك ما زلت تُنادى باسمك الأول مهما علا شأنك خارج الباب وفي سرير المستشفى ينحف اللقب ويناديك الممرض باسمك فتتذكر فجأةً أنك إنسان قبل كل شيء وفي الصلاة عليك آخر العمر سيُدعى لك باسمك: فلان بن فلان بلا معالي ولا سعادة ولا دكتور. يبدأ الإنسان في هذه الدنيا اسمًا وينتهي منها اسمًا وما بين البدايتين ألقاب مستعارة نظنها نحن.
فاحفظ القلة الذين ما زالوا ينادونك باسمك فهؤلاء عرفوك قبل أن يعرفك الناس وسيبقون بعد أن ينصرف الناس وهم في الغالب أصدق من حولك لأنهم لا يخاطبون فيك شيئًا يمكن أن يُسحب منك. واسأل نفسك في المقابل: من الذي أناديه أنا باسمه ومن الذي صرت أخاطب فيه منصبه؟ فالنداء مرآة العلاقة من الجهتين. وفي النهاية عش بحيث يبقى اسمك المجرد أجمل ألقابك، فالألقاب تُنتزع وتنتهي صلاحيتها ويرثها غيرك، أما اسمك فهو الوحيد الذي سيدخل معك حيث لا تدخل الألقاب.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



