تخطَّ إلى المحتوى

الرجل الذي يهزم X كل ليلة في التاسعة

muhammedsafwat

قراءة في 3 دقائق

الرجل الذي يهزم X كل ليلة في التاسعة

د. محمد العرب

في التاسعة مساءً، يكون العالم الرقمي قد بدأ لتوّه في فقدان عقله…!
معركة سياسية جديدة، فضيحة لم تكتمل فصولها، محلل اكتشف قبل دقائق سرّاً جيوسياسياً غاب عن أجهزة الاستخبارات، وآخر يكتب (عاجل) عن خبر حدث قبل ثلاث ساعات، وملايين البشر يتأهبون لقضاء الليل وهم يشرحون لبعضهم بعضاً كيف يجب أن يُدار العالم….!
وفي تلك اللحظة تحديداً ، يفعل المفكر السعودي الكبير عبدالله الغذامي شيئاً يكاد يكون ثورياً في عصرنا: يذهب إلى النوم…!
والأجمل أنه لا يختفي خلسة بل يخبر متابعيه على X أن موعد النوم قد حان، ثم يغادر بصمت افتراضي…؟
كأن الرجل يوقّع كل ليلة معاهدة عدم اعتداء مع العالم: لكم الليل بكل معاركه، ولي الصباح ، قد تبدو المسألة طريفة، لكنها عند التأمل تحمل شيئاً من فلسفة الغذامي نفسه…
فنحن أمام مفكر أمضى عقوداً في تفكيك الأنساق الثقافية والخطابات والظواهر الاجتماعية، ثم يبدو أنه اكتشف النسق الأخطر في حياتنا الحديثة: أن العالم يريدك متاحاً طوال الوقت ، الهاتف يريدك ، الأخبار تريدك ، الإشعارات تريدك ، الجمهور يريدك والخوارزمية، بالتأكيد، لا تريدك أن تنام أبداً..!
كل شيء مصمم ليقنعك بأن حدثاً تاريخياً سيقع بعد خمس دقائق من إغلاق هاتفك ، لكن الغذامي لا يفاوض الخوارزمية ، الساعة التاسعة تعني التاسعة وهنا تحديداً تكمن الفكرة الجميلة….؟
فالانضباط ليس أن تستطيع فعل الأشياء فقط، بل أن تستطيع التوقف عن فعلها وأن تمتلك القدرة على الانسحاب بينما الجميع يتدافع نحو الحضور ، في ثقافة رقمية أصبح فيها الظهور نوعاً من إثبات الوجود، يمارس الغذامي رفاهية نادرة: حق الغياب ، لا ينتظر آخر ترند ، ولا آخر مشاجرة ، ولا آخر تحليل ، ولا يحتاج إلى معرفة مَن انتصر في معركة الهاشتاغ قبل أن يضع رأسه على الوسادة.
إنها ثقة رجل يعرف حقيقة ربما نسيها جيل كامل: العالم قادر على إدارة نفسه بضع ساعات من دوننا ، وربما أكثر ما يعجبني في طقس التاسعة أنه يكشف الفرق بين من يملك الوقت ومن يملكه الوقت.
نحن عادةً نقول: (ليس لدي وقت) ، لكن الحقيقة أن وقتنا موجود؛ المشكلة أن الجميع أخذ قطعة منه ، إشعار أخذ دقيقة، ومقطع أخذ عشراً ، وجدال أخذ ساعة، وهاتف أخذ الليل كله.
أما الغذامي، فيبدو وكأنه رسم حدود دولته الزمنية بوضوح: بعد التاسعة، تنتهي صلاحية العالم…!
ولعل أكثر المشاهد طرافة أن آلاف المتابعين قد يستمرون بعد مغادرته في النقاش حول السياسة والثقافة والمجتمع ومستقبل البشرية، بينما الرجل الذي أمضى حياته في دراسة الثقافة يكون قد اتخذ موقفه النقدي الأخير لذلك اليوم: أغلق الهاتف ونام.
وعندما يستيقظ، سيجد أن معظم المعارك التي بدت مصيرية عند منتصف الليل أصبحت في الصباح منشورات قديمة.
وهنا ربما تكمن فلسفة التاسعة كلها ، ليس الحكيم من يعرف كل ما يحدث ، الحكيم هو من يعرف ما الذي لا يستحق أن يسهر من أجله ولهذا لا أرى نوم عبدالله الغذامي المبكر عادةً شخصية فحسب.
أراه انتصاراً صغيراً يتكرر كل ليلة ، في التاسعة تماماً ، تستمر الخوارزميات في الركض، وتشتعل المنصات، ويتجادل العالم حتى الفجر…
أما الغذامي، فيهزم X بالطريقة الوحيدة التي لم تتعلم الخوارزمية كيف تواجهها بعد: ينام…

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.