الذكاء الاصطناعي في التحكيم الدولي.. عندما تتحول المساعدة إلى تفويض
قراءة في 4 دقائق

يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي في التحكيم الدولي، من البحث القانوني ومراجعة الوثائق إلى الترجمة وإعداد المسودات، لكن دخوله إلى صميم عملية اتخاذ القرار يفتح بابًا جديدًا من التساؤلات القانونية: هل يجوز للمحكم أن يستعين بالذكاء الاصطناعي في تقييم الحجج والمسائل القانونية؟ وأين ينتهي دور الأداة المساعدة ليبدأ تفويض مهمة الفصل في النزاع؟
ولا توجد حتى الآن قاعدة عامة في التحكيم الدولي تحظر على المحكم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المراجع أو المساعدة في تحليل المسائل القانونية. غير أن التوجيهات الدولية والممارسات الناشئة تتجه إلى وضع حد واضح بين الاستعانة بالتقنية وبين التخلي عن المسؤولية الشخصية للمحكم.
وفي فبراير/شباط 2026، خصصت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي “الأونسيترال” جانبًا من إحدى ندواتها لبحث تأثير استخدام المحكمين للذكاء الاصطناعي على الاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها، بما يعكس تصاعد الاهتمام الدولي بتداعيات هذه التقنية على العملية التحكيمية.
الذكاء الاصطناعي.. مساعد لا محكم
تسمح التوجيهات الناشئة باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث وتنظيم المعلومات واختبار الحجج، لكنها تشدد على أن القرار النهائي يجب أن يبقى بيد المحكم.
فيمكن للمحكم استخدام هذه الأدوات للعثور على مراجع قانونية أو لاختبار تفسير قانوني من خلال استعراض الحجج المضادة، شرط أن يراجع النتائج ويتحقق من صحتها بصورة مستقلة.
لكن الوضع يصبح أكثر حساسية عندما يُطلب من الذكاء الاصطناعي تحديد الطرف صاحب الحجة الأقوى، أو تقييم استحقاق التعويض، أو اقتراح كيفية الفصل في اعتراض على الاختصاص. ففي هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد مساعدة تقنية، بل يقترب من تفويض جزء من مهمة الفصل في النزاع.
وتؤكد مبادئ المعهد المعتمد للمحكمين “Ciarb” الصادرة عام 2025 أنه لا يجوز للمحكم التخلي عن سلطته في اتخاذ القرار لصالح الذكاء الاصطناعي، كما تلزمه بالتحقق من المعلومات التي تنتجها هذه الأنظمة وتحمل المسؤولية عن القرار بكل جوانبه.
ويتجه مركز وادي السيليكون للتحكيم والوساطة “SVAMC” إلى المبدأ نفسه، إذ يحظر تفويض الصلاحيات الشخصية للمحكم إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، ويؤكد أن التقنية لا يمكن أن تحل محل التحليل المستقل للوقائع والقانون والأدلة.
السرية.. الخطر الآخر
لا تتوقف المخاطر عند مسألة تفويض القرار، إذ قد تتضمن ملفات التحكيم عقودًا ومذكرات ومرافعات وإفادات شهود وتقارير خبراء وبيانات تجارية شديدة الحساسية.
وإدخال هذه المواد إلى أدوات ذكاء اصطناعي غير مؤمنة قد يثير مخاطر تتعلق بتخزين البيانات أو استخدامها في تدريب النماذج أو إتاحتها لجهات أخرى. لذلك، تشدد التوجيهات على ضرورة معرفة سياسات حماية البيانات وتخزينها قبل إدخال أي معلومات سرية.
كما يمثل احتمال وقوع الذكاء الاصطناعي في أخطاء قانونية تحديًا إضافيًا. فقد ينتج أحكامًا أو مراجع قضائية غير موجودة، أو يقدم استنتاجات قانونية خاطئة بصياغة تبدو مقنعة، ما يجعل التحقق من المصادر الأصلية مسؤولية لا يمكن للمحكم التنصل منها.
ماذا لو ابتكر الذكاء الاصطناعي حجة جديدة؟
تزداد الإشكالية عندما يقدم الذكاء الاصطناعي حجة أو مرجعًا لم يطرحه أي من طرفي النزاع.
فإذا أصبح هذا العنصر مؤثرًا في النتيجة، فإن إدخاله في القرار من دون علم الأطراف قد يمس بحقهم في عرض مواقفهم والرد على ما يؤثر في النزاع. ولهذا قد يكون من الضروري عرض هذه المادة على الأطراف ومنحهم فرصة للتعليق عليها قبل الاعتماد عليها.
هل يجب على المحكم الإفصاح عن استخدامه؟
لا تزال التوجيهات الحالية مختلفة بشأن مسألة الإفصاح.
فإرشادات “Ciarb” تشجع المحكمين على التشاور مع الأطراف قبل استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما لا تفرض إرشادات “SVAMC” إفصاحًا عامًا في كل الحالات، لكنها تشترطه عندما يعتزم المحكم الاعتماد على معلومات أنشأها الذكاء الاصطناعي من خارج ملف القضية.
وفي الولايات المتحدة، أطلقت جمعية التحكيم الأمريكية “AAA” إجراءً اختياريًا لبعض النزاعات المؤهلة، يسمح للذكاء الاصطناعي بتحليل مذكرات الأطراف وإعداد مسودة قرار، على أن يراجعها محكم بشري ويعدلها أو يعيد صياغتها قبل اعتمادها. ويستند هذا الإجراء إلى موافقة صريحة من طرفي النزاع.
القضاء يرسم الخطوط الحمراء
بدأت المحاكم أيضًا في التعامل مع التداعيات المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التحكيم.
ففي قضية “LaPaglia ضد Valve Corporation”، ادعى أحد الأطراف أن المحكم أسند دوره في الفصل إلى الذكاء الاصطناعي، إلا أن محكمة أمريكية رفضت الالتماس المعدل في ديسمبر/كانون الأول 2025 لأسباب تتعلق بالاختصاص، من دون أن تفصل في جوهر الادعاء.
وفي أبريل/نيسان 2026، ألغت محكمة كيبيك العليا قرارًا بعدما تبين أن مراجع ومبادئ قانونية غير موجودة كانت أساسية في منطق القرار، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي تم من دون تحقق كافٍ وتضمن تفويضًا غير ملائم لجزء من مهمة الفصل.
ولم يكن مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي هو سبب الإلغاء، بل الاعتماد على معلومات مختلقة، وعدم التحقق منها، والإخلال بالإجراءات المتفق عليها.
المعيار ليس استخدام الذكاء الاصطناعي.. بل كيفية استخدامه
تكشف هذه التطورات أن الخط الفاصل في التحكيم الدولي لا يتعلق بمجرد استعانة المحكم بالذكاء الاصطناعي، وإنما بطبيعة المهمة التي يسندها إليه وكيفية تعامله مع مخرجاته.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية للبحث واختبار الحجج وتنظيم المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحكم المستقل للمحكم أو يتحول إلى صاحب قرار فعلي في النزاع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل استخدم المحكم الذكاء الاصطناعي كأداة تساعده على اتخاذ القرار، أم سمح للأداة بأن تتخذ جزءًا من القرار نيابة عنه؟، وهنا تحديدًا يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في التحكيم الدولي سيتحدد.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



