الحوثي.. قيادة الدولة بفكر الجماعة
قراءة في 3 دقائق

أ. د. رياض بن حمد العُمري
ليست مشكلة الحوثي في اليمن أنه مجرد جماعة مسلحة دخلت في صراع على السلطة؛ فهذه الصورة وحدها لا تفسر كثيراً من سلوكه. المشكلة الأعمق تبدأ حين تصل جماعة تحمل فكراً متطرفاً إلى مؤسسات الدولة، ثم تحاول إدارة المجتمع كله بعقلية الجماعة، لا بعقلية الدولة التي يفترض أن تتسع لجميع مواطنيها.
فالدولة تقوم على المواطنة والمؤسسات والمصلحة العامة، أما الجماعة المغلقة فتنظر غالباً إلى المجتمع من خلال قربه منها أو بعده عنها. وحين تنتقل هذه النظرة إلى الحكم، لا يعود المخالف مجرد صاحب رأي مختلف بل يتحول إلى خصم يجب إسكاته أو القضاء عليه.
وهذا ما ظهر في تجربة الحوثيين داخل اليمن؛ حيث امتد الصراع من الاستيلاء على مؤسسات الدولة إلى التضييق على المخالفين، ومحاولة فرض رؤية الجماعة على مجتمع متعدد في أفكاره ومكوناته. وهنا تظهر خطورة أن تتحول أفكار جماعة محدودة إلى أساس لإدارة دولة كاملة.
كما أن الفكر الحوثي لم يتشكل بعيداً عن مؤثرات أتت من خارج اليمن. فقد ارتبطت الجماعة خلال سنوات طويلة بقوى إقليمية، متأثرة بعقائدها وأفكارها وأساليب عملها. والمشكلة لا تقف عند حدود الدعم العسكري أو السياسي، بل تمتد إلى تصور الجماعة لنفسها ولدورها وللصراعات التي ينبغي أن تدخل فيها.
وهنا يظهر سؤال مهم: ماذا يبقى من استقلال قرار الدولة إذا أصبح جزء من قراراتها مرتبطاً بمشروع يتجاوز حدودها؟
فالدولة حين تقرر الحرب أو السلم يفترض أن تنظر أولاً إلى مصلحة شعبها وأمنه ومستقبله. أما الجماعة التي ترى نفسها جزءاً من محور أوسع، فقد تدخل في صراعات تتجاوز حدود وطنها، بينما يتحمل المواطن نتائج تلك الصراعات.
وقد ظهر أثر هذا الفكر في اعتداءات الحوثيين خارج اليمن حيث لم تعد مواجهاتهم مرتبطة بالداخل اليمني وحده. ولعل ما حصل الأسبوع الماضي من إطلاق طائرة مسيرة باتجاه مكة المكرمة من أكثر الأمثلة دلالة. فهنا لا نتحدث عن هدف عسكري عادي، بل عن البلد الحرام وقبلة المسلمين، وهو ما يكشف خطورة الفكر حين تدفع الخصومة أصحابه إلى تجاوز حدود كان ينبغي ألا يقترب منها الصراع أصلاً.
وهذا يثير سؤالاً أعمق من مجرد معرفة نوع السلاح المستخدم: كيف تنظر الجماعة إلى المقدسات عندما تدخل في حسابات الحرب؟ وهل يبقى في فكرها شيء خارج دائرة الصراع مهما اشتدت الخصومة؟
إن مكة حفظها الله ليست موقعاً جغرافياً عادياً، وحرمتها لا ينبغي أن تخضع لحسابات الصراع السياسي والعسكري. وحين يصل السلاح إلى هذه المساحة، فإن المشكلة تصبح فكرية بقدر ما هي أمنية.
ولهذا فإن أزمة الحوثي لا تكمن في السلاح وحده؛ فالسلاح أداة. الأهم هو الفكر الذي يحدد من هو العدو، وكيف يعامل المخالف، ومتى تبدأ الحرب، وأين تنتهي، ومن أين يأتي القرار.
يمكن للجماعة أن تسيطر على وزارات الدولة ومؤسساتها، وأن تستخدم أسماءها وشعاراتها، لكنها تبقى في تفكيرها جماعة لا دولة. ويظهر الاختبار الحقيقي حين تتعارض مصلحة الجماعة مع مصلحة الوطن: أيهما يتقدم؟
وهنا تكمن المشكلة؛ لأن قيادة الدولة بفكر الجماعة لا توسع الجماعة حتى تصبح وطناً، بل تضيق بالوطن حتى يصبح على مقاس الجماعة.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



