تخطَّ إلى المحتوى

السطر الذي تعيد قراءته ثلاث مرات

muhammedsafwat

قراءة في 4 دقائق

مطلق السبيعي
مطلق السبيعي

مطلق كليب السبيعي

قبل أن تبدأ في قراءة المقال، هذا اختبار بسيط ماراح يأخذ منك دقيقة، وحاول أن تجيب بصدق بينك وبين نفسك. هل تجد صعوبة في إكمال قراءة مقال طويل أو مشاهدة فيلم كامل دون أن تتفقد هاتفك؟ وهل وصلت إلى مرحلة تعيد فيها قراءة السطر الواحد مرتين وثلاثا لأن ذهنك لم يكن حاضرا في المرة الأولى؟ هل تضيع منك أفكارك بسرعة وأنت تتحدث أو تعمل؟ هل تتوتر وتشعر برغبة قوية في تفقد هاتفك بمجرد أن يكون بعيدا عنك؟ وهل تقضي ساعات في التصفح العشوائي للمقاطع القصيرة دون هدف واضح؟ وهل صارت تجذبك المقاطع الدوبامينية مثل فيديوهات المكبس الهيدروليكي وتحطيم الزجاج الملون وتقطيع الصابون الناشف والتنظيف والترميم السريع وغيرها من المقاطع التي تنتهي بشعور بالارتياح؟

إذا كانت إجابتك بنعم عن أكثر الأسئلة فأنت معني بكل ما سيأتي في هذا المقال، وما تشعر به ليس حالة فردية، بل له اسم صار متداولا في العالم كله وهو “التعفن الدماغي”، وليس بالضرورة أن تكون مصابا به ولكن قد تكون في مرحلة الحذر. وقبل أن أدخل في عمق المقال هذه لمحة تاريخية عن أول ظهور لهذا المصطلح، فقد عملت بحثا بسيطا عن أول مرة ذكر فيها فوجدت أنه ورد في كتاب “والدن” لهنري ديفيد ثورو عام 1854 وهو ينتقد سطحية مجتمعه في ذلك الحين، وكانت في حينها مجرد ملاحظة أدبية في القرن التاسع عشر، واليوم صارت مادة بحث في الجامعات ومختبرات التصوير الدماغي.

أما عن انتشار المصطلح عالميا فقد اختارت دار نشر جامعة أكسفورد في ديسمبر 2024 مصطلح “التعفن الدماغي” ليكون كلمة العام بعد تصويت شارك فيه أكثر من سبعة وثلاثين ألف شخص، وعرفته بأنه التدهور المفترض في الحالة الذهنية أو الفكرية للإنسان نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى تافه لا يستدعي جهدا، كما أن استخدام المصطلح ارتفع بنسبة مئتين وثلاثين بالمئة في عام واحد.

مصطلح “التعفن الدماغي” ليس مجرد كلمة يتداولها الناس، بل صار واقعا نراه في مجالسنا وأعمالنا، يقتل الإبداع، ويدمر التواصل الفعال بين الناس، ويجعل النقاشات مجرد تكرار بلا فائدة. والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن حالات التعفن الدماغي وصلت إلى مراحل متقدمة في حياتنا الاجتماعية، فأصبح البعض لا يريد أن يسمع حديثا طويلا في المجالس، ولا مع أصدقائه، ولا حتى مع أسرته، لأنه استهلك دماغه بكثرة قبل أن يصل إليهم.

صارت المجالس عزلة جماعية، اجتماعات لتمرير الشاشات وتقليب المقاطع بدلا من تبادل الأحاديث. افتح أي مجلس اليوم ولاحظ أسلوب المجتمعين، تجد كل واحد منهم في مكان آخر، والشاشات تدور بين الأيدي أكثر مما تدور الفناجين.

حتى كلامنا تأثر، أصبح يميل للأمور السطحية والتسلية فقط، لأن العقل صار يمل بسرعة من المواضيع الهادفة. والأخطر من ذلك انتقال هذا السلوك إلى بيئة العمل التي لا تحتمل أي انشغال للدماغ بغير العمل، فالموظف الذي ينقطع تركيزه كل دقيقتين ليتفقد هاتفه يحتاج وقتا مضاعفا لينجز ما كان ينجزه في نصفه، والاجتماع الذي تتوزع فيه العيون بين الطاولة والشاشات يخرج بقرارات ناقصة.

أما نفسيا فأوضح أثر هو تشتت الانتباه، مثل عدم القدرة على التركيز في كتاب أو محاضرة أو حتى محادثة مدتها عشر دقائق دون أن تتفقد هاتفك، وهذا مؤشر لا بد من إدراكه وعدم تجاهله. ومن الآثار الواضحة أيضا كسل التفكير، مثل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث في صياغة أبسط الأفكار أو في اتخاذ القرارات الشخصية دون تشغيل العقل.

وهذه الملاحظات ليست انطباعات شخصية. ففي سبتمبر 2025 نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس مراجعة علمية جمعت سبعين دراسة وقرابة مئة ألف مشارك، وخرجت بنتيجة واحدة: الإكثار من المقاطع القصيرة يضر بالعقل، وأول ما يتضرر هو انتباهك وقدرتك على مقاومة المغريات.

ويفسر الباحثون الإرهاق الذي نشعر به بعد تقليب الشاشة الطويل بأن سببه تقطع المحتوى وليس طوله، فأنت خلال ثلاثين ثانية تنتقل من مقطع مضحك إلى خبر مؤلم إلى وصفة طبخ، وعقلك لا يستوعب هذا التنقل السريع، والثمن مدفوع من تركيزك.

والخوارزمية لا تظلم أحدا، فهي لا تعطيك إلا ما طلبته منها. إن توقفت عند مقطع أعطتك عشرة مثله، وصناع المحتوى يقرؤون ما تطلبه فيصنعون المزيد منه. الحل يبدأ منك، وهذا هو الخبر الجيد، لأن الذي يبدأ منك يمكن أن يتوقف عندك.

وحتى أكون منصفا، فما تقدمه هذه الدراسات هو رابط بين شيئين وليس دليلا قاطعا، فلعل ضعف التركيز هو ما يوجه الشخص نحو المقاطع القصيرة، لا العكس.

والخبر “اللي يطمنك” أن أغلب هذه الآثار يبدو قابلا للتعافي، فلا دليل على ضرر دائم في الدماغ، وكل ما تحتاجه هو تخفيف الاستخدام لتلاحظ بنفسك كيف سيتحسن تركيزك وتتحسن نفسيتك. ومعنى ذلك أن الأمر يحتاج انضباطا في العادة اليومية أكثر مما يحتاج قلقا على المصير.

ويبقى أن مصطلح التعفن الدماغي خرج من الجيل الجديد نفسه، فهو من أعاده إلى التداول ساخرا من حاله ومن كثرة وجوده على الإنترنت. والسخرية لن تعالج الوضع، فالأمر يحتاج إلى قرار. ولمن يشك أنه داخل في دائرة “التعفن الدماغي” ويريد تدارك الأمر وإصلاحه، عليه أن يعود إلى الأسئلة التي في أول المقال، وأن يختار منها واحدا يبدأ بإصلاحه هذا الأسبوع، وليكن أقرب مجلس هو البداية.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.