تخطَّ إلى المحتوى

كفاءة الإنفاق في التعليم العام السعودي.. كلفة التعلم غير المتحقق

helsaidi

قراءة في 5 دقائق

كفاءة الإنفاق في التعليم العام السعودي.. كلفة التعلم غير المتحقق

أ.د. أحمد بن محمد الزائدي

أخطر أشكال الهدر في التعليم أن تُنفق الموارد على الطالب، ويمضي سنواته الدراسية، ثم يبلغ نهاية المرحلة من دون أن يحقق المستوى المتوقع من التعلم. تسجل المؤشرات إتمامه المرحلة في موعده، وتبدو كلفة تعليمه منضبطة، لكن يبقى السؤال الذي يحسم قيمة ما أُنفق: ماذا تعلّم بالفعل؟ هنا تتكشف كلفة التعلم غير المتحقق؛ هدرٌ لا ترصده حسابات الوفر ولا معدلات الانتقال والإكمال.

تمثل كفاءة الإنفاق مطلبًا ضروريًا في التعليم السعودي؛ فاتساع المنظومة وحجم مواردها يفرضان تحسين التشغيل، وتبسيط الإجراءات، والحد من الازدواجية، وتوجيه الموارد إلى الأولويات. وتظهر نتائج هذا المسار في مؤشرات مباشرة: مقدار الوفر المتحقق، والموارد التي أُعيد توجيهها، ومدى الحفاظ على جودة الخدمة. ومع أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تكشف مقدار التعلم الذي تحقق.

الفروق بين الوفر والكفاءة والفاعلية جوهرية. فالوفر يعني إنفاقًا أقل قياسًا إلى خط أساس أو بديل محدد. والكفاءة تعني تحقيق ناتج أكبر بالموارد نفسها، أو النتيجة نفسها بموارد أقل. أما الفاعلية فتعني بلوغ الهدف المطلوب. وقد تنخفض كلفة خدمة تعليمية من دون أن تتحسن نتائجها. كما أن تزامن الوفر مع فجوات التعلم لا يثبت علاقة سببية بينهما؛ وإنما يبين أن الحكم على القيمة التعليمية يقتضي قراءة المؤشر المالي إلى جانب التعلم المتحقق.

يكشف هذا التمييز أن مفهوم الهدر التعليمي أوسع من دلالته التقليدية. فقد ارتبط تاريخيًا في اقتصاديات التعليم بالرسوب والتسرب؛ فالطالب الذي يعيد الصف يستهلك سنة إضافية، ومن يتسرب يغادر التعليم قبل إكمال مرحلته. ومع ارتفاع معدلات الانتقال والإكمال، لم يعد هذان المؤشران كافيين لرصد جميع أشكاله؛ إذ قد يجتاز الطالب الصفوف بانتظام ويحصل على الشهادة، مع بقاء فجوات في معارفه ومهاراته الأساسية لم تُعالج في وقتها.

تمثل هذه الحالة ما يمكن تسميته بالهدر التعليمي الخفي: فجوة متراكمة بين ما كان ينبغي أن يتعلمه الطالب وما تعلمه فعلًا، بعد سنوات أتيحت فيها فرص لاكتشاف الضعف ومعالجته. وتكشف أن العائد التعليمي المتحقق لا يتناسب مع ما استُثمر من زمن وموارد. وتكشف نتائج القياس هدرًا بدأ بضعف لم يُعالج، واتسع مع انتقال الطالب من صف إلى آخر من دون تحسن واضح.

تشبه فجوة التعلم دَينًا تتزايد كلفته كلما تأخر سداده. أصله نقص في معرفة أو مهارة تأسيسية لم تُكتسب في وقتها، وفائدته المتراكمة صعوبة ما يُبنى عليها من تعلم لاحق. ولا يسدد الانتقال إلى صف أعلى هذا الدَّين، بل يرحّله إلى مستوى أشد تعقيدًا، ويمتد أثره إلى الفهم والاستدلال وحل المشكلات. لذلك تكون المعالجة المبكرة أقل كلفة وأعلى عائدًا من معالجة متأخرة تستهلك وقتًا وموارد أكبر.

وتتيح أدوات القياس رصد بعض صور هذا التراكم. فتقدم نتائج «نافس» مؤشرات على جوانب الضعف في مراحل التعليم العام، وتكشف اختبارات القدرات والتحصيل الدراسي بعض آثاره قرب نهايته. وتضع الاختبارات الدولية النتائج الوطنية في سياق مقارن أوسع. تختلف أغراض هذه الاختبارات ومجالاتها، لكن نتائجها تقدم مؤشرات متعددة على تعلم الطلاب في مراحل مختلفة. وتمثل النتائج الدالة على الضعف إنذارًا يستدعي استجابة تعليمية تُحدث تحسنًا قابلًا للقياس؛ إذ تتضاعف كلفة الهدر كلما استمر الضعف من دون معالجة فعالة.

ويمتد أثر ضعف الجاهزية إلى مرحلة الانتقال إلى التعليم الجامعي؛ إذ قد يحد من قدرة بعض الطلاب على المنافسة على المقاعد عبر القبول الموحد. لكن عدد المتقدمين الذين لم يُقبلوا لا يصلح مؤشرًا مباشرًا للهدر؛ فتلك النتيجة تتداخل فيها سعة المقاعد، وتوزيع التخصصات، وشدة المنافسة، واختيارات المتقدمين. والأدق عزل أثر الضعف الأكاديمي عن أثر هذه العوامل قبل نسبة عدم القبول إلى الهدر التعليمي.

تمتد كلفة الهدر الخفي خارج المدرسة وتتراكم في المراحل اللاحقة. فقد تتحمل الأسر نفقات دروس وبرامج مساندة، لكنها لا تتساوى في قدرتها على توفير هذا الدعم؛ فيحصل عليه بعض الطلاب، بينما تبقى جوانب الضعف لدى آخرين من دون معالجة. وقد تخصص الجامعة أو الكلية وقتًا وموارد لاستدراك مهارات كان ينبغي اكتسابها في مراحل سابقة، فيما تتحمل جهة العمل عبئًا إضافيًا للتأهيل. وهكذا تضيق فرص الطالب التعليمية والمهنية، وينخفض العائد على الإنفاق التعليمي، وتتراجع منافعه الاقتصادية والاجتماعية.

ولتحويل هذا التشخيص إلى أداة للقرار، ينبغي على مستوى المنظومة قراءة مجموعتين مترابطتين من المؤشرات بدل البحث عن رقم واحد يختصر المشهد. توضح الأولى متوسط كلفة تعليم الطالب حتى إتمام المرحلة، وتبين الثانية نسبة الطلاب الذين حققوا المستوى المتوقع من التعلم في نهايتها ومقدار تقدمهم منذ بدايتها. فقراءة الكلفة من دون نتيجة التعلم قد تمنح صورة مالية مطمئنة، وقراءة التحسن من دون كلفته قد تخفي تفاوتًا كبيرًا في الموارد اللازمة لتحقيقه. والغاية من جمعهما معرفة أين تتحول الموارد إلى تعلم وأين تتعثر هذه العلاقة، لا ترتيب المدارس أو الحكم على الطلاب.

وتنتقل هذه القراءة إلى مستوى المبادرات التعليمية؛ فسواء استهدفت الطالب مباشرة أم عملت عبر المعلم أو المنهج، ينبغي ربط كلفتها بما تحققه في التعلم. فلا يُقوَّم التطوير المهني بعدد المتدربين وساعات التدريب، بل بما أحدثه في الممارسة الصفية وتعلم الطلاب. ويُقوَّم تطوير المناهج بجودة المحتوى وقابليته للتطبيق وأثره في التعلم. وفي جميع الحالات، تُقاس الكفاءة بتناسب الأثر التعليمي مع الموارد المستخدمة.

أما المبادرات التشغيلية الرامية إلى رفع كفاءة الإنفاق، فتُقوَّم بما حققته من خفض فعلي في الكلفة بعد احتساب نفقات تنفيذها، وبأثرها في جودة الخدمة وسرعة وصول الدعم وحماية وقت التعلم. ويمتد تقويمها إلى تعلم الطلاب متى أمكن تتبع العلاقة؛ فالإجراء التشغيلي يؤثر أولًا في البيئة الداعمة للتعلم، ثم قد يظهر أثره في نتائج القياس.

يقاس نجاح كفاءة الإنفاق بقدرة المنظومة على تحويل مواردها إلى تعلم، لا بحجم الوفر فقط. فكلفة التعلم غير المتحقق لا تزول، بل تنتقل إلى مراحل لاحقة ويتحملها الطالب والمجتمع. ويكتسب الوفر قيمته التعليمية حين يتحقق من دون المساس بجودة التعليم، ويتيح توجيه الموارد نحو تحسين تعلم الطالب على نحو قابل للقياس.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.