ما لم يحدث بعد
قراءة في دقيقتان

د. سعود النداح
يحمل كثير منا حلماً توقف عن السعي إليه ويبرر ذلك لنفسه بأن الظروف تغيرت أو أن الوقت لم يعد مناسباً. والصادق مع نفسه قد يعرف أن السبب أعمق من ذلك.
لم يتوقف لأن الحلم صغر في عينيه، وإنما لأن صورة فشله كبرت في خياله حتى أصبحت أثقل من المحاولة نفسها.
فالإنسان قد لا يخشى الفشل بقدر ما يخشى صورته قبل أن تحدث. وشتان بين فشل يقع وينتهي ويترك درساً وفشل نعيشه مراراً في الخيال. يتخيل صاحبه أعين الناس وهي تراقبه وحديثهم عنه وخيبة اللحظة وربما تعليقات لن تُقال أبداً. وهكذا يتحمل ألم النتيجة قبل أن تكون هناك نتيجة، ويدفع ثمن الفشل دون أن يمنح نفسه فرصة المحاولة.
ومن الملاحظ بشكل عام أن هذا الخوف قد يتضخم كلما كان الحلم عزيزاً على صاحبه. فالإنسان الذي لا يعنيه الأمر كثيراً يجرب بسهولة أما من يرى في حلمه جزءاً من صورته ومستقبله فقد يؤجله عاماً بعد عام خوفاً من أن يفقده وكأن حماية الحلم من الفشل تكون بحبسه في الخيال بدلاً من تعريضه للواقع. ومع الوقت لا يبقى الحلم كما كان، يتحول إلى ذكرى مؤلمة عن شيء لم نعرف أبداً إن كنا قادرين عليه.
وفي هذا المعنى إشارة نبوية بديعة حين قال صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». يأتي الغرس هنا في لحظة لا يملك فيها الإنسان أي ضمان للنتيجة وربما لا وقت لانتظار الثمرة ومع ذلك يظل للفعل قيمته. لسنا مطالبين دائماً بأن نضمن الثمرة قبل أن نغرس ولا أن نعرف نهاية الطريق قبل أن نخطو أوله.
وأخطر ما في الفشل الذي نصنعه في خيالنا أنه يكبر في الصمت. يبدأ شعوراً صغيراً ثم يمنحه التأجيل مساحة أكبر حتى يصبح أثقل من الخطوة نفسها. ولهذا فإن أول ما يضعفه فعل صغير ينقل صاحبه من عالم الاحتمالات إلى أرض الواقع فهناك فقط يكتشف أن كثيراً مما أخافه لم يكن بالحجم الذي صنعه له خياله.
كم من حلم قتله انتظار طويل لتجربة لم تبدأ وكم من إنسان تحمل لسنوات ألم خسارة لم تحدث ونظرات لم يوجهها إليه أحد.
إن أكثر الأحلام التي دُفنت لم تُقتل برصاصة فشل حقيقي، ماتت اختناقاً في صدر صاحبها وهو يتخيل رصاصة لم تُطلق بعد. وربما لا يحتاج الإنسان دائماً إلى مزيد من الشجاعة كي ينجح بقدر ما يحتاج إلى أن يمنح نفسه حق المحاولة وأن يسمح لنفسه بأن يفشل مرة في الواقع بدلاً من أن يفشل كل ليلة في خياله.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



