تخطَّ إلى المحتوى

لا تبرر لنفسك .. أنت «بذيء»!

teba3

قراءة في 5 دقائق

أحمد الفهيد
أحمد الفهيد

أحمد الفهيد

(المقال السادس عشر)

(١)
أشياء كثيرة وكبيرة يمكن أن تختلف فيها جماهير كرة القدم، وأن تتجاوز فيها حدود المنافسة، وأن ترتفع فيها الأصوات إلى أقصى ما تحتمل المدرجات من صخب واستفزاز.

يمكن أن تسخر من لاعب، وأن تهتف ضد فريق، وأن تحتفل بسقوط منافس، وأن تقول في لحظة انفعال (ما تقوله المدرجات عادة) حين تختلط الحماسة بالتعصب.

لكن أن تأخذ موت إنسان، وتضعه في حنجرتك، ثم تهتف باسمه أمام صديقه الذي ما زال حزنه حيًا، بحثًا عن لحظة غضب قد تدفعه إلى الخطأ، فهذه ليست كرة قدم، هذا سقوط أخلاقي مريع.

(٢)
في مباراة الهلال والتعاون، وفي اللحظة التي كان فيها «روبن نيفيز» يستعد لتنفيذ ركلة حرة، تعالت من مدرجات نادي التعاون (قلة قليلة منهم) أصوت تردد اسم «ديوغو جوتا»، صديق “نيفيز» المقرب الذي رحل في حادث سيارة مأساوي في يوليو 2025، ورحل معه شقيقه «أندريه سيلفا»، كان «جوتا» بالنسبة له أكثر من زميل سابق أو لاعب من أبناء جيله، كان صديقًا قريبًا جدًا، وواحدًا من أولئك الذين يترك رحيلهم فراغًا لا تملؤه السنوات بسهولة.

لم يكن لاعب الوسط الهلالي بحاجة إلى أن يقول شيئًا، أشار بأصبعه إلى السماء، ثم بالأصبع نفسه أشار إلى عينه.
المعنى كان أبلغ من كل الكلمات: «الله يراكم».

(٣)
أي إنسان يمكن أن يرى في موت إنسان آخر مادة للضحك والاستفزاز؟!.. ليست المشكلة في التعصب، أنا أفهم التعصب الرياضي، وأفهم أن المدرج ليس صالونًا أدبيًا، وأن كرة القدم تعيش في جزء كبير منها على الإثارة، وأن الجماهير تذهب إلى الملعب لتشجع فريقها، وتضغط على الخصم، وتحاول إخراجه من تركيزه.

لكن حتى التعصب، له حدود .. والحد الفاصل بين التعصب والابتذال الأخلاقي، هو أن تعرف ما الذي لا يجوز لك أن تلمسه.

(٤)
الموت ليس مساحة مباحة للعبث، هناك أوجاع لا يجوز أن تدخل الملعب، وتتحول إلى هتافات، حتى لو دخلت كل ألوان التعصب الأخرى.

ومن أبسط قواعد المروءة أن تعرف أن الموت ليس مادة للسخرية، وأن الاستهزاء بالفقد ليس سلاحًا ترفعه في وجه خصمك، وأن قلب الإنسان ليس مدرجًا آخر تستطيع أن تقذف فيه ما تشاء من الكلمات.

(٥)
عالم النفس «ألبرت باندورا» تحدث عن مفهوم مهم اسمه «الانفصال الأخلاقي»، وهو يشرح الآليات التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يعطل – مؤقتًا – الرقابة الأخلاقية على سلوكه، فيبرر لنفسه فعلًا بذيئًا، أو يقلل من أثره، أو يلقي المسؤولية على الجماعة، أو ينزع الإنسانية عن الطرف الذي يؤذيه، وهذا بالضبط ما يجعل المدرجات خطرة حين تتحول الجماعة إلى غطاء.

قد يفعل الإنسان منفردًا ما لا يجرؤ على فعله وهو بين أهله، ثم يجد في الجماعة مبررًا داخليًا «الجميع يهتف، إذن أنا لست وحدي .. الجميع يضحك، إذن الأمر ليس خطيرًا .. إنها كرة قدم، إذن كل شيء مباح»، وهنا تكمن المشكلة، فالجماعة لا تمنح الإنسان براءة أخلاقية، والهتاف الجماعي لا يحوّل الرذيلة إلى فضيلة، والتعصب لا يلغي المسؤولية الفردية.

(٦)
أبحاث علم النفس الاجتماعي تشير صراحة إلى أن الإنسان «يفقد عقله» داخل الحشد، وأن الناس يتأثرون بقوة بالمعايير التي تسود جماعتهم في تلك اللحظة، وهذا يعني شيئًا أخطر: إذا سمحنا للمدرج بأن يصنع معيارًا جديدًا للقبح، فسيتعلم آخرون أن القبح مقبول.

اليوم اسم «جوتا»، وغدًا قد يكون اسم أب، أو أم، أو طفل، أو ميت آخر، وبعد غد قد يصبح الأمر شيئًا لم يكن أحد يتخيل أن يصل إليه المدرج، ولهذا فإن معاقبة هؤلاء ليست انتقامًا، العقوبة هنا حماية للحد الأخلاقي.

والمجتمع السعودي يعرف أن للكلمة وزنها، وأن للموت حرمته، وأن إيذاء الناس ليس من المروءة، وأن السخرية من مصائب الآخرين هي قاع الدناءة.

والإسلام لم يجعل الأخلاق خيارًا، نلبسها حين تناسبنا، ونخلعها حين نذهب إلى الملعب.

(٧)
أرفض أن يُختزل السعوديون في فعل مجموعة من المتعصبين، وأرفض كذلك أن يمر هذا الفعل من دون عقوبة لأن أصحابه «قلَّة»، نعم، هم «قلَّة»، لكن «القلَّة» التي لا تُحاسب اليوم تصبح سابقة لغيرها غدًا .. والمجتمع لا يحمي قيمة بعدد الأشخاص الذين يحترمونها فقط، وإنما بموقفه من الذين يهدمونها.

و«المروءة» لا تسمح بأن يصبح موت صديق لاعب مادة للهتاف، ولا يليق بنا أن يخرج من ملاعبنا مشهد كهذا إلى العالم، ثم نكتفي بالقول: «هؤلاء لا يمثلوننا»!.

إذا كانوا لا يمثلوننا، فليكن الرد عليهم واضحًا، «منعهم من دخول الملاعب، منعًا طويل الأمد يصل إلى الحرمان الأبدي في الحالات الثابتة والمتعمدة».

(٨)
هذا ليس تشددًا، هذه رسالة إلى كل من يظن أن المدرج يمنحه حصانة: «لا»!.

ورسالة إلى كل من يعتقد أن بإمكانه أن يستفز لاعبًا بميت: «لا»!.

ورسالة إلى كل من يظن أن المنافسة الرياضية تلغي الإنسان: «لا»!.

وربما الأهم، رسالة إلى اللاعب الأجنبي الذي يأتي إلى المملكة من ثقافة أخرى، بأننا نختلف معه في كرة القدم، ونضغط عليه، ونهتف ضد فريقه، لكننا لا نهتف بأحزانه الشخصية، ولا بآلامه الخاصة.

(٩)
اللاعب الأسطوري «كريستيانو رونالدو»، قائد منتخب البرتغال ونادي النصر السعودي، طالب بمنع المتورطين من دخول الملاعب مدى الحياة، وهذا الموقف لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه موقف لاعب برتغالي غاضب، علينا أن نقرأه بوصفه معيارًا أخلاقيًا بسيطًا، ثمة أشياء لا يجوز أن تفعلها حتى بخصمك.

وأسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نعتبر الواقعة حادثة وانتهت .. الحوادث الأخلاقية لا تنتهي حين ينتهي الصوت، أحيانًا تبدأ بعده .. حين يرى طفل في المدرج أن السخرية من موت إنسان يمكن أن تمنحه تصفيقًا، فإنه يتعلم شيئًا، وحين يرى شاب أن الجمهور يضحك حين يُستحضر حزن لاعب وفاجعته، فإنه يتعلم شيئًا .. وحين يرى آخر أن النادي أو الجهة المنظمة تكتفي بالاستنكار، فإنه يتعلم شيئًا آخر، هو «أن الحدود قابلة للكسر»!.

وهنا تصبح العقوبة ضرورة تربوية، قبل أن تكون عقوبة تأديبية.

(١٠)
كرة القدم يمكنها أن تكون شرسة، ويمكنها أن تكون مجنونة، ويمكنها أن تكون متعصبة .. لكن يجب ألا تكون بلا قلب.
فحين يصبح الموت هتافًا، لا يصبح السؤال: من فاز بالمباراة؟.. السؤال يصبح: ماذا خسرنا نحن؟!.

وأظن أن الإجابة واضحة: لقد خسرنا في تلك اللحظة شيئًا من معنى المروءة، ولذلك لا يكفي أن نقول إن ما حدث «عيب»، يجب أن نقول بوضوح أكبر «هذا سلوك لا مكان له في ملاعبنا».

ومن يثبت أنه اختار أن يجعل من موت إنسان سلاحًا لإيذاء إنسان آخر، فعليه أن يعرف أن المدرج ليس مكانًا مفتوحًا لكل من فقد إنسانيته عند بوابة الملعب، فالرياضة منافسة، والتعصب انفعال، أما المروءة، فهي الحد الذي لا ينبغي أن يسقط مهما اشتعلت المباراة.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.