اليقين الناقص
قراءة في دقيقتان

د. سعود النداح
يوجد نوعان من الجهل وليس نوع واحد كما نظن. النوع الأول يعرف نفسه فيسأل ويطلب ويصغي وهذا جهل بسيط علاجه. أما النوع الثاني فأخطر بكثير لأنه لا يشعر أنه جهل أصلاً.
يعرف الإنسان فيه جزءاً من الصورة ويظن أنه رأى الصورة كاملة فيتوقف عن السؤال وهو أحوج ما يكون إليه.
وهنا تكمن الخطورة الفعلية فالمعرفة الجزئية تصنع يقيناً ناقص لا تصنعه لا المعرفة الكاملة ولا الجهل الكامل. فمن لا يعرف شيئاً يبقى فضوله مفتوحاً على مصراعيه ومن أحاط بموضوعه إحاطة عميقة يكتشف عادة اتساع ما يجهله فيزداد تواضعاً لا يقيناً. أما من وقف في المنتصف فقد رأى ما يكفي ليثق بنفسه ولم ير ما يكفي ليعرف حدود هذه الثقة. فيتحول القليل الذي عرفه إلى نظارة يقيس بها كل شيء آخر في حياته.
وأخطر ما في هذا اليقين الناقص أنه ينتقل من موضوعه الأصلي إلى موضوعات لا علاقة له بها. فالإنسان الذي أتقن مجالاً واحداً يشعر أن عقليته التي نجحت هناك ستنجح في كل مكان، فتراه يفتي في الطب وهو غير طبيب وفي التربية وهو لم يربّ وفي الاقتصاد وهو لم يدرسه يوماً وكل ذلك بثقة من أتقن مجاله الأصلي فظن أن الإتقان صفة تنتقل معه أينما ذهب. وهذا ما يسميه بعض الباحثين في علم النفس أثر الثقة الزائفة. فيخلط العقل بين الكفاءة في موضوع والكفاءة في كل موضوع.
وفي هذا المعنى قصة نبوية بالغة الدلالة. حين سُئل موسى عليه السلام من أعلم أهل الأرض، قال: أنا. فعاتبه الله على هذا الجواب لأنه لم يرد العلم إلى صاحبه الحقيقي وأرسله ليتعلم من الخضر ليدرك أن مهما بلغ علمه فثمة من يفوقه فيما لا يعلم. تأمل أن هذا العتاب وقع على نبي مرسل أوتي التوراة وكلّمه الله تكليماً فما ظنك بمن دونه حين يظن أنه أحاط بالعلم كله في مجاله الصغير؟
ولهذا كان أهل العلم الراسخون أشد الناس تردداً في الجزم وأكثرهم قولاً لا أدري، لأن اتساع معرفتهم كشف لهم اتساع ما يجهلونه بينما نصف المتعلمين هم أكثر الناس جزماً وأقلهم تردداً، لأن القليل الذي عرفوه لم يتسع بعد ليريهم حدوده. وصدق من قال إن العلم يبدأ بمعرفة أنك لا تعرف فمن ظن أنه وصل فقد توقف في الحقيقة عن الطريق الذي كان يفترض أن يوصله.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يجهل فالجهل حالة مؤقتة يعالجها السؤال. الأخطر أن يعرف قليلاً ويظن أنه عرف كثيراً فيغلق على نفسه باباً كان يمكن أن يوصله إلى الحقيقة كاملة لو بقي مفتوحاً. والعلامة الفارقة بسيطة: هل يزداد تواضعك كلما ازددت علماً أم يزداد يقينك؟ فمن يفتح كل جديد أمامه أسئلة أكثر مما يغلق يسير في الاتجاه الصحيح، ومن يزيده كل جديد تصلباً في رأيه فقد بنى جداراً حول عقله. ومن أراد أن يسلم من هذا الفخ فليجعل شعاره أن كل ما يعرفه اليوم هو أقل ما سيعرفه غداً.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



