تخطَّ إلى المحتوى

مُشجّع .. «ناقص عقل»!

muhammedsafwat

قراءة في 4 دقائق

أحمد الفهيد
أحمد الفهيد

أحمد الفهيد

(١)
أرسل لي صديق عزيز جدًا، وهو مقدم بارع واستثنائي في إدارة برامج الحوارات، عبارة توقفت عندها طويلًا: «اكتشفت أن العقل في كرة القدم لا يصغر عندما تشجع، ولكنه يتضاءل بشكل مخيف إذا وقعت في كره المنافس».
لم تكن العبارة في ظني عن كرة القدم وحدها، لقد كانت عن الإنسان، عن تلك المنطقة الدقيقة بين أن تنتمي إلى شيء، وأن تحتاج إلى إلغاء شيء آخر كي تشعر بقيمة انتمائك.

(٢)
الإنسان حين يشجع، يمنح عاطفته مساحة من الفرح .. يختار لونًا، وقميصًا، وشعارًا، وذاكرةً، وأسماء ارتبطت في وجدانه بلحظات لا تقاس بمنطق الأرقام وحده .. وهذا كله طبيعي، لأن كرة القدم في جانبها الأجمل ليست 90 دقيقة تُلعب على العشب، وإنما هي مساحة عاطفية يعيش فيها الإنسان شيئًا من طفولته، وصداقاته، وذكرياته، وانتصاراته الصغيرة.
لهذا لا أرى في التشجيع نقصًا في العقل، فالعقل لا يفقد مكانه لمجرد أن القلب هتف.
المشكلة تبدأ في اللحظة التي لا يصبح فيها حبك لفريقك كافيًا، فتبحث عن كراهية فريق آخر لتكتمل فرحتك .. هنا يحدث التحول، ويتغير السؤال من: «كيف يفوز فريقي؟»، إلى: «كيف يخسر منافسي؟».

(٣)
وهذه مسافة قصيرة في المدرجات، لكنها مسافة هائلة في الإنسان .. لأن من يحب فريقه يستطيع أن يختلف، وأن يجادل، وأن ينتقد، وأن يفرح، وأن يحزن، ثم يحتفظ في داخله بمساحة صغيرة للحقيقة.
أما من يكره المنافس، فإنه يبدأ تدريجيًا في إعادة تعريف الحقيقة بما يغذي كراهيته .. فيصبح الخطأ صوابًا إذا خدم ناديه، والصواب خطأً إذا أصاب خصمه، تصبح الموهبة عظيمة حين ترتدي القميص الذي يحبه، وعادية حين ترتدي القميص الآخر، ويصبح الحكم عادلًا حين يمنحه ما يريد، ومتهمًا حين يمنح منافسه ما لا يريد.
حتى البطولة نفسها قد تفقد معناها في عينيه إذا رفع الآخر كأسها .. وهنا لا يكون المأزق في كرة القدم، وإنما يصبح المأزق في أن الإنسان قد يسمح لعاطفة صغيرة أن تعيد ترتيب منظومته الأخلاقية كلها.

(٤)
إن أخطر ما في الكراهية أنها لا تطلب منك أن تكره فقط، وإنما تطلب منك مع الوقت أن ترى العالم من خلالها.
تأخذ منك قدرتك على الإنصاف دون أن تشعر، ثم تقنعك بأن الإنصاف ضعف، وأن الاعتراف بأفضلية المنافس تنازل، وأن التصفيق للاعب من الفريق الآخر «خيانة لناديك».

(٥)
وهكذا يتحول التشجيع من انتماء جميل إلى سجن ضيق .. وفي المدرجات لا أحد يخسر عقله دفعة واحدة.
العقل يتآكل بالتقسيط: مرة حين تنكر حقيقة واضحة لأن المنافس قالها، ومرة حين ترفض الإعجاب بلاعب لأنك لا تحب القميص الذي يرتديه، ومرة حين تتمنى سقوط الآخر أكثر مما تتمنى نجاح فريقك، ومرة حين يصبح فشل المنافس مناسبةً لفرحك أكبر من انتصار فريقك.
وعندما تصل إلى هذه المرحلة، عليك أن تسأل نفسك: هل ما زلت أشجع فريقي، أم أنني أصبحت أستخدم فريقي لتبرير كراهيتي للآخر؟

(٦)
ثمة فرق عميق بين الأمرين .. فأن تحب الهلال مثلًا، لا يعني أن عليك أن تكره النصر، وأن تحب النصر، لا يستوجب أن تبحث عن عيوب الهلال كي تطمئن إلى حبك.
والتاريخ لا يحتاج إلى تشويه الآخرين كي يحتفظ بإنجازاته، والانتماء الواثق لا يخاف من وجود منافس قوي.

(٧)
أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تمنحنا إياه كرة القدم ليس الفوز فقط، وإنما قدرتها الغريبة على كشفنا .. ففي الملعب نكتشف فريقنا، وخارج الملعب نكتشف أنفسنا.
نعرف مقدار عدالتنا حين يخسر منافسنا، ونعرف مقدار اتزاننا حين يخطئ الحكم ضدنا، ونعرف حقيقة علاقتنا باللعبة حين يقدم لاعب من الفريق الآخر أداءً استثنائيًا.

(٨)
فإذا استطعت أن تقول: «كان رائعًا» لمن لا ترتدي قميصه، فأنت لم تخسر حيزًا من انتمائك، إنما ربحت شيئًا من إنسانيتك.
وإذا استطعت أن تعترف بأن منافسك كان أفضل في ليلة ما، فلن ينقص ذلك من فريقك شيئًا، ما ينقص هو «الوهم» الذي أقنعك أن حبك لا يكتمل إلا إذا كان الآخر سيئًا.

(٩)
لهذا بدت لي عبارة صديقي الإعلامي أوسع من كرة القدم .. فالعقل لا يصغر لأننا نحب، إنه يصغر لأننا نكره!
العقل يبدأ في التراجع حين تصبح الكراهية أقوى من الحقيقة، وحين يصبح سقوط الآخر جزءًا من سعادتنا، وحين نبلغ مرحلة نبحث فيها عن أي شيء يبرر بُغضنا، حتى لو كان على حساب ما نعرف في داخلنا أنه حق .. عندها لا يعود الإنسان يرى الآخر كما هو، وإنما كما تريده كراهيته أن يكون.

(١٠)
وهنا تكمن الخسارة الحقيقية .. لأن الكراهية لا تؤذي من نكره فقط، وإنما تغيّر شيئًا فينا نحن، تسلبنا القدرة على الإنصاف، وتضعف فينا شجاعة الاعتراف، وتدفعنا إلى الدفاع عن الخطأ لمجرد أن الحقيقة جاءت من الجهة التي لا نحبها.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.