تخطَّ إلى المحتوى

محمد بن سلمان.. و حكاية «سير»

helsaidi

قراءة في 5 دقائق

محمد بن سلمان.. و حكاية «سير»

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ

@Alshaikh2

لنتخيل جملاً من قوافل أجدادنا أطل برأسه على بوابة مصنع للسيارات، وقف قليلاً، تأمل الزجاج و الحديد و الحركة المنتظمة، ثم بحث بعينيه عن الرجل الذي كان يشد الرحال على ظهره، فلم يجده، وجد حفيده يرتدي ملابس العمل، يحمل جهاز قياس صغيراً، و يفحص باب سيارة توشك أن تكتمل، لعل الجمل كان سيعرف، دون شرح طويل، أن الرحلة مستمرة، و أن حفيد الراكب القديم يتعلم كيف يصنع ما يركبه.

قبل هذا المشهد بسنوات طويلة، كان الجد يخرج مع الفجر، يشد متاعه، و يوصي أهله، و يترك للصحراء أن تختبر صبره، كانت المسافات تأكل من عمره أياماً، و كان الوصول خبراً يستحق الفرح، لم ينقصه الطموح، نقصته الأدوات، و لم يكن الجمل علامة على ضآلة أحلامه، كان الوسيلة التي حمل بها أحلاماً أكبر من أن تبلغها رحلة واحدة.

مضى الجد، و بقي الطريق، ثم أخذت الدولة السعودية تمنحه وجهاً آخر، أمناً يجمع أطراف البلاد، و طرقاً تصل مدنها، و مدارس تفتح لأبنائها أبواب المعرفة، تراكم البناء جيلاً بعد جيل، حتى وصلت السيارة إلى بيت الحفيد، فاختصرت عليه المسافة التي أنهكت جده، و صار يبلغ في ساعات ما كان يحتاج إلى أيام.

غير أن للحكاية مسافة أخرى، من مِلْك السيارة إلى مَلَكة صنعها.

هنا يدخل محمد بن سلمان، حفيد مؤسس الدولة، إلى الحكاية، يحمل إرث الطريق، و يفتح له امتداداً جديداً، فيلتقي حفيدان، أحدهما يرسم الوجهة، و الآخر يصنع الوسيلة، كان يمكن أن تتسع أمام السعودي صالات البيع وحدها، لكن مشروع ولي العهد يفتح له أبواباً أخرى، يدخل منها إلى قاعة التصميم، و معمل الاختبار، و خط الإنتاج، و يرى السيارة من الجهة التي يصنعها فيها الإنسان، حيث تبقى المعرفة بعدما تغادر السيارة بوابة البيع.

في حكايتنا، يصل الشاب إلى يومه الأول في التدريب، يعرف كيف يقود سيارة، لكنه يقف الآن أمام أسئلة لم تكن تخطر له حين يدير مقودها، لماذا اختيرت هذه المادة، و كيف تلتقي القطعتان، و ما الذي يجعل هذا الجزء أكثر أماناً، يتعلم أن وراء الحركة التي تبدو بسيطة معرفة دقيقة، و أن يده تستطيع، مع الوقت، أن تتقن ما كانت تكتفي باستعماله.

لم يعد المستقبل عنده شحنة ينتظر وصولها، صار عملاً يستعد للذهاب إليه، يراجع ما تعلمه، و يسأل عما لم يفهمه، و يعود إلى المحاولة حين يخطئ، و تتجمع في ذاكرته خبرة لا يستطيع شراءها جاهزة، إنها تنمو معه، حتى يصبح قادراً على تعليمها لمن يأتي بعده، فتتقدم البداية جيلاً آخر.

و تبدأ أصعب فصول الرواية، فالسيارة لا تخرج من الحماسة وحدها، تحتاج إلى قطعة تصل في موعدها، و أخرى تطابق القياس، و جزء يعمل مع جزء، قد يتوقف الشاب أمام نتيجة لم يتوقعها، فيعيد الفحص مع زميله، و يرجعان إلى المشرف، ثم تتضح المشكلة، هنا يصير الطموح الذي يقوده ولي العهد عملاً يومياً، له مواعيد و مسؤوليات، و يصبح الفخر بالمنتج التزاماً بإتقانه قبل أن يغادر المصنع.

ثم يأتي مشهد إطلاق ولي العهد أولى مركبات «سير»، و تتجه الأنظار إلى السيارة، إلى شكلها و حضورها المختلف، فتبدو كأنها بطل المشهد، لكن الحكاية أبعد من صورتها، إنها عند متدرب يتعلم قراءة رسم هندسي، و عند مهندس ينقل خبرته، و في يد تتعلم عملاً جديداً، الإطلاق سطر أول في هذا الفصل، و ما بعده يكتبه الإنتاج و الاختبار و المنافسة، حتى تكتسب السيارة مكانها في الطريق.

لنعد إلى الشاب عند بوابة المصنع، ينتهي يومه فيرفع هاتفه، يطمئن أمه أنه في طريق العودة، ثم يتوقف أمام السيارة التي شارك في العمل عليها، لقد ترك شيئاً من معرفته في هذا الحديد، و سيعود غداً ليضيف إليه، و للمرة الأولى يصبح الطريق الذي يسلكه إلى رزقه جزءاً من طريق صناعة بلده.

في البيت ستسأله أمه عن يومه، فيحكي لها عن شيء تعلمه، و ربما لم تفهم تفاصيله كلها، لكنها ستفهم من صوته أنه وجد ما يستحق أن يستيقظ من أجله.

و ثمة أم أخرى تنتظر اتصالاً يشبه هذا الاتصال، ابنها في عمره، لكنه يقف أمام حاجز، يحمل سلاحاً، و ينتظر أمراً لا يعرف متى يأتي، أو إلى أين سيأخذه.

كان يستطيع أن يتعلم المهنة نفسها، لكن من كتبوا له الدور اختاروا أن يجعلوه حارساً لتعطيل الطريق، لقنوه أسماء خصوم لم يلتقهم، و أقنعوه بأن حياته تكتسب قيمتها بقدر استعداده للتخلي عنها خدمة لمشروعهم، عند المساء يستطيع عامل المصنع أن يحدث أمه عما سيفعله غداً، أما الواقف عند الحاجز فقد لا يملك أن يعد أمه بموعد عودته.

هنا تظهر المسافة بين من يصنع سيارة و من يصنع ميليشيا، كلاهما يجمع أجزاء، لكن أحدهما يجمع المعرفة لكي يتحرك الإنسان، و الآخر يجمع الأحقاد لكي تتوقف الدولة، الأول يحتاج إلى طريق مفتوح، و الثاني يحتاج إلى حاجز، الأول يختبر وسائل السلامة، و الثاني يختبر مقدار الخوف، و خلف العامل أم تعرف أين يعمل ابنها، و خلف الواقف عند الحاجز أم تخشى السؤال عمن يملك مصيره.

و هذه هي وجهة الحكاية التي يقودها ولي العهد، أن نصنع و نصدر سيارات، فيما يختار غيرنا صناعة الميليشيات و تصديرها، فحين تصل السيارة إلى بلد آخر، تحتاج إلى ثقة مشتريها، أما الميليشيا فتصل محملة بإرادة راعيها، تريد من البلد أن يصبح أقل قدرة على حكم نفسه، و أن يدفع من حياة أبنائه كلفة نفوذ غيره.

و أجمل ما يفعله بطل هذه الحكاية أنه يفتح البطولة لغيره، للمهندس في قاعة التصميم، و للفني خلف آلة الإنتاج، و للشاب الذي يكتشف أن موهبته يمكن أن تصبح مهنة، فيكبر حضور القائد كلما اتسعت مساحة الفعل لأبناء بلده، و يصبح نجاحه قابلاً لأن ترويه آلاف البيوت، كل بيت من باب فرصة فتحت لأحد أبنائه.

خط سير:

لو عاد الجمل إلى بوابة المصنع، لما احتاج إلى معرفة اسم السيارة كي يعرف أن الرحلة مستمرة، كان يحمل الجد إلى رزقه، و صار الحفيد يحمل معرفته إلى عمله، و بينهما قاد محمد بن سلمان الحكاية إلى فصل جديد، يصنع فيه أبناء القافلة وسيلة رحلتهم المقبلة، و يمضي فيه وطن، تاركاً خلفه ما يستحق أن يسمى الإنجاز.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.