للوطن… تاريخ لم يكتبه بشر
قراءة في 7 دقائق

أ.د. عبدالعزيز بن عبدالله بن لعبون
مؤسس ورئيس مجلس إدارة تعاونية “الجيولوجيون السعوديون”
في الثالث والعشرين من سبتمبر، تتحدث الأرض عن وطن، لا كأي وطن ..
نحن لا نحتفي بوطنٍ صَنع الإنسان ملامحه خلال عقود أو حتى قرون فحسب، بل نحتفي بوطنٍ بدأت الأرض نفسها في كتابة حكاياته قبل أن يظهر الإنسان، وقبل أن يعرف معنى الوطن، ويعي رسم الكتابة، وقبل أن تُحدد الحدود، وتُشيّد المدن.
إنه تاريخ لم يكتبه بشر:
سبق وأن قلت: “الصخور تكتب تاريخ الأرض، وأن الأحافير (المستحثات) تروي حكاية الحياة عليها”.
تاريخ الأرض كتبته صخور الجبال، وروت الأحافير حكاياته، وخلّدت طبقات الأرض أحداثه: بحاره، صحاريه، ثلوجه، براكينه، مناجمه المعدنية، خزانات مياهه الجوفية، مكامنه النفطية والغازيّة، زوّاره من الفضاء، أجرام تحمل شيئًا من تاريخ الكون.
الجيولوجيا من كتب:
لقد شكّلت الجيولوجيا وجه الوطن منذ مليارات السنين، ومازالت تشكّله، وبأمر من الله ولطفه، تكونت المعادن في صخور الدرع العربي، وتناوبت البحار بين غمر وحسر لتكوّن طبقات صخور رسوبية للرف العربي، وفيها تهيأت أنسب الظروف لتكوّن النفط والغاز وتجمّعه وتشكّل الطيات لصيده، وبأمر من الله انفتح البحر الأحمر ليُبعد البلاطة العربية الفتية عن البلاطة الأفريقية، وشغل الوطن معظم مساحة تلك البلاطة، وثارت البراكين مكوّنة الحرات، وتكونت السباخ، وغطّت كثبان الرمال ثلث مساحة الوطن، وجميع هذه الرواسب والصخور والحرات والسباخ والرمال تزخر بالثروات المعدنية.
عناصر الوطن:
ثم جاء الإنسان؛ فقرأ ما كتبته الصخور وما روته الأحافير، واستكشف أسرارها، واستثمر خيراتها، وحوّل إمكاناتها إلى عمران واقتصاد وتنمية.
ومن هنا تبدأ حكاية الوطن:
– نِعم من الله جلّ شأنه،
– أرضٌ تختزن التاريخ،
– قيادةٌ أحسنت قراءة النعِم،
– شعبٌ، حَمِد الله على النِعم، وحوّلها إلى منجز ومستقبل.
وطن متميز:
أرضٌ سخّر الله سبحانه وتعالى من كتب تاريخها، وجعلها مباركة وشرّفها بإن جعل فيها أول بيت وُضِع للناس، وتشرّفت بوجود الحرمين الشريفين، وجعلها مباركة، وكان لها موقع متميز بين بحار ثلاثة: البحر الأحمر، خليج العقبة، والخليج العربي.
لهذا التكريم ثمن وجب شكره، ورسالة وجب تبليغها.
هذا التنوع ليس مجرد لوحة طبيعية جميلة؛ إنه حصيلة تاريخ طويل من تشكل القشرة الأرضية، والحركات البنائية (التكتونية)، والنشاط البركاني، والترسيب، والتعرية، وتغير المناخ والبيئات عبر أزمنة سحيقة.
لذلك تبدو طبقات صخور الوطن، في عين الجيولوجي، كأنها كتاب مفتوح من تاريخ الأرض.
كل جبل فيه صفحة، وكل طبقة صخرية سطر، وفي كل وادٍ أثر، وكل أحفورة هي شاهد، بل وحتى وراء كل حبّة رمل حكاية، وكل معدن هو فصل من فصول حكاية ونماء.
إنه تاريخ لم يصنعه البشر، لكن الانسان استطاع أن يفك رموزه ويهتدي إلى كنوزه.
من نعمة الأرض إلى بناء الوطن:
لم تكن الثروات التي تختزنها أرض الوطن مجرد خيرات كامنة في باطنها؛ بل كانت نعمة وجدت من يكتشفها ويفهمها ويحسن استثمارها، فالدرع العربي يزخر بمعادنه الفلزيّة من ذهب وفضة ونحاس وزنك وغيرها، بينما هيأت الأحواض الرسوبية الظروف الجيولوجية التي أسهمت في نشأة وتجمع وتخزين النفط والغاز، إلى جانب المياه الجوفية ومواد البناء والصناعة والمعادن اللافلزية وغيرها من الموارد.
للقيادة دور:
كثيرة هي الثروات في كثير من الأوطان ولكنها ربما كانت وبالًا على أهلها لسوء استغلالها، هنا يظهر دور قيادتنا التي أدركت قيمة ما استودعه الله في هذه الأرض، فانتقلت المملكة من مرحلة اكتشاف الموارد إلى بناء اقتصاد، وصناعة، وتنمية، ثم إلى مرحلة تعظيم القيمة المضافة وتنويع الاقتصاد واستشراف المستقبل.
وهنا تكمن حقيقة جديرة بالتأمل: الثروة لا تبدأ من المنجم ولا من البئر؛ بل تبدأ من الجيولوجيا، فالجيولوجيا لا تتحول إلى ثروة إلا حين يقرأها الإنسان بالعلم، ويستكشفها بالتقنية، ويحسن إدارتها، وتضع القيادة لها الرؤية التي تحول الإمكانات إلى تنمية مستدامة.
ومن ثم فالجيولوجيا ليست علمًا يختص بالصخور والمعادن فحسب؛ إنها تمس الأمن المائي، والمعدني، والصناعة، والبنية التحتية، والتخطيط العمراني، والبيئة، والسياحة، واستدامة الموارد.
الأرض تحفظ ما لم تحفظه الكتب:
لو ضاعت أو تلفت المخطوطات، وصمتت الكتب، وجفّت الأقلام، لبقيت الأرض قادرة على رواية جانب عظيم من تاريخ الوطن.
في صخور الدرع العربي نقرأ مراحل من تطور القشرة الأرضية، وفي الأحواض الرسوبية نقرأ تعاقب البحار والبيئات القارية، وفي الحرات نرى آثار النشاط البركاني، وفي الأودية والكثبان آثار المياه والرياح وتقلّبات المناخ وفترات الجليد عبر الأزمنة.
فالأرض ليست شاهدًا على الماضي فحسب؛ إنها تاريخ ما زال يُكتب، فالرياح تنحت، والمياه تجرف وترسب، والرمال تتحرك، والسواحل تتغير، والقوى الجيولوجية تواصل عملها بصمت بالنسبة للبشر.
إنها كتابة لا قلم لها ولا مداد، إنها كتابة لا يقرؤها إلّا من أنعم الله عليه بشيء من علوم الأرض.
الأحفورة… ذاكرة الحياة:
الأحفورة ليست حجر غريب الشكل؛ إنها وثيقة طبيعية، إنها تخبرنا عن كائن عاش، وبيئة سادت، وبحر امتد، ومناخ تغير، وحياة مرّت من هنا ثم غابت، وبقي أثرها ما بقي الوطن. احتفظت الطبقات الرسوبية ببقايا وآثار معظم الكائنات الحيّة التي دبّت على سطح الأرض، وسبحت في بحارها، وطارت في سمائها، كائنات عاشت منذ مئات الملايين من السنين في عصور مختلفة، شاهدة على بحار وبيئات ومناخات لم يعد معظمها موجود اليوم.
ومن هنا تصبح الأحافير جزءًا من الذاكرة الطبيعية للوطن، وجسرًا يصل حاضره بماضي الحياة على كوكب الأرض.
زوّار الفضاء:
ومن الفضاء… تتواصل بقية الحكاية، ولا تتوقف القصة عند حدود الأرض، فعلى صحراء الوطن وفوق كثبانه الرملية ارتطمت نيازك عظيمة تشكلت خارج كوكبنا وانفلتت من مدارها، وحملت في مادتها شواهد من تاريخ النظام الشمسي، فنيزك السنام (الحديدة) ونيزك وادي الدواسر هما أكبر نيازك جزيرة العرب.
وهكذا تتسع هوية الوطن جيولوجيًا من أعماق الأرض إلى سطحها، ومن تاريخ الحياة إلى عالم الفضاء.
في باطن الأرض معادن، وعلى سطحها تضاريس، وفي صخورها أحافير، ومن الفضاء نيازك.
هوية الوطن الجيولوجية:
إنها سردية تختصرها أربع كلمات:
الله سبحانه وتعالى
الأرض الحياة
الفضاء.
تحتوي هذه وتلك ألطاف الله، إنه وطن له أكثر من هوية جيولوجية، اعتادت الشعوب أن تختار رموزًا تعبّر عن شيء من شخصيتها !، وتاريخها وبيئتها. والمملكة، بما تختزنه أرضها من تنوع جيولوجي استثنائي، تملك فرصة لأن تضيف إلى رموزها الوطنية الأساسية الممثلة في: المسمى، والعلم، والشعار، والنشيد، والرموز الدينية على العملات الورقية والمعدنية وغيرها، بعدًا جيولوجيًا يعرّف بالوطن من زاويا أعمق.
الهوية الجيولوجية ليست ترفًا معرفيًا، بل وسيلة لإعادة اكتشاف الوطن، وتعميق الوعي بأرضه وثرواته، وتشجيع الأجيال لدراسة علوم الأرض، ودعم السياحة الجيولوجية، ودعم صاحب القرار لربط الجيولوجيا بالاقتصاد والتعليم والثقافة وغيرها.
فحين يعرف الإنسان قصة الأرض التي يعيش عليها، يصبح انتماؤه إليها أكثر عمقًا؛ لأنه لا يرى الوطن مساحةً على الخريطة فحسب، بل يراه تاريخًا حيًا تحت قدميه.
القيادة تقرأ… والشعب يبني:
مهما بلغت ثروات الأرض، فإن الإنسان يظل أعظم ثروات الوطن.
الأرض تمنح الإمكانات، لكن الإنسان يكتشفها.
الجيولوجيا تكشف الموارد، لكن العلم يفسّرها، والتقنية تطوعها، والاقتصاد يضيف إليها القيمة، والقيادة تجمع هذه الطاقات في رؤية، والشعب يحول الرؤية إلى واقع.
وهنا تتكامل عناصر الحكاية:
نعمة الله هي البداية،
والأرض هي الوعاء،
والجيولوجيا هي لغة المكان،
والقيادة هي بصيرة الاستثمار، والشعب هو صانع المنجز.
ولهذا فإن قصة المملكة ليست قصة ثروات طبيعية فحسب، ولا قصة إنجازات بشرية منفصلة عن الأرض؛ إنها قصة تفاعل الإنسان مع أرضٍ وهبها الله له، فقرأها بعلمه، واستثمر إمكاناتها، وبنى فوقها وطنًا يتطلع إلى المستقبل.
٢٣ سبتمبر… يوم تتحدث فيه الأرض:
في يوم الوطن، نحتفي بما فوق الأرض وما تحتها.
نحتفي بالجبال التي تختزن الزمن، وبالصخور التي تحفظ تاريخ القشرة الأرضية، وبالمعادن التي أسهمت في بناء الاقتصاد، وبالأحافير التي تحفظ ذاكرة الحياة، وبالحرات التي تشهد على النشاط البركاني، وبالكثبان التي تحمل آثار المناخ والرياح، وبالبحار والسواحل التي شهدت تحولات جيولوجية كبرى، وبالنيازك التي تصل بين أرض المملكة وفضاء الكون.
وقبل هذا وذاك نحتفي بِنِعم الله.
نحتفي بقيادة أدركت قيمة هذه النِعم، وشعبٍ جعل من العلم والعمل والإرادة وسيلةً لتحويل الإمكانات إلى إنجاز.
ففي ٢٣ سبتمبر لا تقول المملكة فقط: هذا وطننا.
بل تقول الأرض: هذه أرضٌ أنعم الله عليها وبارك الله فيها،
هذا وطنٌ قرأ أرضه، وقيادةٌ أحسنت استثمار نعمها،
شعبٌ حوّل خيرات الوطن إلى بناء، بل وعبرت خيراته إلى ما وراء الحدود،
إنه مستقبلٌ يُكتب اليوم بأيدي أبنائه.
إنه وطن لم يكتب تاريخه بشر:
بدأ تاريخ الأرض قبل الإنسان، وحفظته الصخور، وشهدت عليه الأحافير، وجاءته النيازك ببعض أسرار الفضاء؛ ثم جاء الإنسان السعودي، فقرأ هذا التاريخ، وبنى فوقه وطنًا يكتب فصوله الجديدة.
٢٣ سبتمبر… يوم تتحدث الأرض عن وطن، ويتحدث الوطن عن نعمة الله وفضله سبحانه وتعالى،
فهل نكون من الشاكرين !!
الحمد لله رب العالمين
كتبه عبدالعزيز بن عبدالله بن لعبون
الرياض غرة ربيع الآخر 1447هـ – الموافق 14 سبتمبر 2026م
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



