تخطَّ إلى المحتوى

قصيدةٌ بحجم وطن

eman

قراءة في 6 دقائق

قصيدةٌ بحجم وطن

سلطان الحارثي

في البدء، أعتذر لصاحب سمو الأمير الملكي الأمير عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز، فقد قفزت إلى تدوين انطباعاتٍ حول نص شعري فاخر، أعترف أنني أصغر من أن أكتب عنه بما يليق به، غير أنني عجزت عن مغادرة النص، دون أن أترك فيه شيئاً من شعوري، وأعبر عنه بما تسعفني به قدرتي.

نحن السعوديون نعشق أرضنا

وملوكنا الأبرار والأطهار

في خدمةِ البيّتين يزهو مُلكَهُم

‏يجزِيهمُ المُتَكبَّرُ الغَفَّارُ

ربما لا تختصر أبياتٌ قليلة حكاية وطنٍ بأكمله، لكن بعض الكلمات حين تخرج من شاعرٍ يعرف كيف يضع يده على موضع الشعور، تتحول من أبياتٍ تُقرأ إلى مشاعر تُعاش.

وهكذا جاءت قصيدة الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز الأخيرة، لا كقصيدةٍ عابرة في حب الوطن، بل كصوتٍ يخرج من أعماق الانتماء، ويحمل في حروفه شيئاً من ذاكرة الأرض، وهيبة التاريخ.

في قصيدة “شبيه الريح” لم يكن الوطن مساحةً على خارطة، ولا اسماً يتردد في المناسبات، إنه أرضٌ تسكن القلب قبل أن يسكنها الإنسان، وتاريخٌ يمشي معنا أينما ذهبنا، ورايةٌ حين ترتفع تشعر الأرواح أن لها في السماء موضعاً.

ومن هذا الانتماء العميق، ينتقل الأمير-الشاعر إلى منطقة التحدي والصمود، حيث يتجلى الوطن في أبهى صور ثباته أمام الأخطار وتكالب الخصوم عبر الزمن، فيقول:

إِن كَررُ التَاريخُ غُزَوةَ خَندقٍ

وتَكالبَ الأحزَابِ والفَجّارُ

سيُدَبُرُ القيّوُمُ ما قَد أبرموا

ويعاذُ نصرّ حازهُ الأخيارُ

في هذين البيتين، لا يستحضر “شبيه الريح” غزوة الخندق لمجرد التداعي الشعري، بل يُسقط تلك اللحظة المفصلية على الواقع، ليؤكد أن العبرة ليست بضخامة التحديات ولا بتكاثر الخصوم، فالصورة ترسم تحالف الظلم والعدوان (وتَكالبَ الأحزَابِ والفَجّارُ)، غير أن رد الأمير-الشاعر يرتكز على أصل الثبات وعماد العزيمة: اليقين بالله.

وفي الشطر (سيُدَبُرُ القيّوُمُ ما قَد أبرموا)، تتجلى أسمى مراتب الطمأنينة، فتدابير الخصوم مهما بلغت من الإحكام، تظل هباءً أمام تدبير “القيّوم” الذي يُبطل كيد الكائدين، ثم يأتي الختام (ويعاذُ نصرّ حازهُ الأخيارُ) ليرسخ حقيقةً تاريخية وروحية راسخة: أن النصر ليس مصادفةً، بل هو إرث “الأخيار” ووديعة “المتقين”، وأن هذه الأرض محميّة بالحق ومحفوفة بالتمكين مهما تكررت الأزمات عبر الأزمنة.

ولا يقف الأمير-الشاعر عند حدود التبصير والتذكير بلطائف التدبير الإلهي، بل ينتقل إلى تعرية التناقضات وتفكيك خطابات الشعارات المزيّفة، حيث يتجلّى البيان الحاسم في كشف الأدعياء ومكرهم:

فَشعارُهُم موْتُ اليَهود وَهُمْ لهُم:

خَدمٌ .. ألا هل فَوقَ هذا عارُ ؟

أحفَادُ أبْرهةَ القرامطةَ الأللى

في ضرِّ بيتِ الله لم يحتاروا

في هذين البيتين، يضع الأمير-الشاعر مشرطه البلاغي على موضع الزيف الدفين، فيفضح ازدواجية الموقف بين الشعارات الرنانة الصاخبة التي ترفع العداء ظاهراً، وبين الواقع والتطبيقات التي لا تخدم في حقيقتها إلا أعداء الأمة. إنها مفارقة لا تكتفي ببيان الخلل، بل تدمغه بصفة “العار” لاستلاب الإرادة وارتهان القرار للخصوم تحت مسالك الخيانة والتضليل.

ثم يربط الأمير-الشاعر سلوك هؤلاء بجذورهم التاريخية والفكرية السوداء (أحفَادُ أبْرهةَ القرامطةَ)، مسنداً حشدهم للشبهات والأحقاد إلى امتدادٍ تاريخي مشين، بدءاً من هدم الكعبة وسعي “أبرهة” للإضرار بالبيت الحرام، وصولاً إلى إجرام “القرامطة” وسفكهم دماء الحجاج وانتهاكهم للقدسيات، ليوضح سموه أن استهداف البيت العتيق وهذه البلاد الشريفة ليس وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لمسارٍ تاريخي خبيث لكل من لم يتحرج في تدنيس المقدسات وخدمة الفساد في الأرض.

ثم يعود الأمير-الشاعر إلى الجذر الأعمق لهذا الاعتزاز، إلى المكان الذي تتقاطع فيه الجغرافيا بالإيمان والتاريخ، فيقول:

أوليس يكفي أنه ببلادنا

نزل الكتابُ تعالت الأذكار؟

إنها إشارة إلى خصوصية هذه الأرض في الوجدان الإسلامي، أرضٌ ارتبطت بمكة والمدينة، بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، بنزول القرآن، وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن الحديث عن الوطن هنا يتجاوز حدود العاطفة الوطنية المجردة، ليصل إلى شعورٍ راسخ بمكانة الأرض في الذاكرة الدينية والتاريخية.

ومن هذا المعنى تتوالد نبرة القصيدة، اعتزازٌ لا يحتاج إلى ضجيج، وكرامةٌ لا تبحث عن تصفيق، وثقةٌ تستند إلى تاريخٍ طويل من الصبر والبناء، ولهذا يقول شبيه الريح:

شمُّ الأنوفِ رؤوسُنا مرفوعةٌ

بيضُ الأيادي غيثُنا مدرار

فتبدو الصورة وكأنها لوحةٌ مكتملة: رأسٌ مرفوع، ويدٌ بيضاء بالعطاء، وكرمٌ لا ينتظر المنّة، وشموخٌ لا ينفصل عن المسؤولية.

ومن أجمل ما في هذا النص أنه لا يتحدث عن القوة بوصفها صخباً، بل يجعل الصبر أحد وجوهها، فالسكون ليس دائماً ضعفاً، والهدوء ليس عجزاً، وقد عبّر الأمير-الشاعر عن ذلك بصورةٍ بالغة القوة:

كم غرّ غِرًّا صبرُنا وسكونُنا

وإذا به يجتثّه الإعصار

وهنا تبلغ القصيدة منطقةً أعمق من مجرد الفخر، منطقة الحكمة، فالأوطان لا تُقاس بما تقوله في لحظات الرخاء، وإنما بما تحتفظ به من ثبات حين تموج حولها الأخطار، فالصبر في وجدان هذه الأرض ليس انحناءً، وإنما ثباتٌ طويل النفس، يعرف متى يصمت ومتى يكون للكلمة وزنها، ومتى يصبح الصمت نفسه رسالة.

وفي الشطر الثاني، تتفجر القراءة عن وجه آخر لهذه الحكمة، وجه لا يكتفي بالصبر سجية، بل يجعله الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث يتجلى التحول المباغت صاعقاً حاسماً:

“وإذا به يجتثّه الإعصار”

هنا تتحول رزانة الصمت إلى فعلٍ جارفٍ لا يُبقي ولا يذر، فالأمير-الشاعر لم يقل “فيصده” أو “فيردعه”، بل اختار مفردة “يجتثّه”، والجثُ هو القلع من أعمق الجذور، ليؤكد أن من يخطئ في قراءة هذا السكون، لا يواجه مجرد رد فعلٍ عابر، بل يُستأصل وجوده كلياً.

إنها منطقة الفعالية الماحقة، حيث ينقلنا الأمير-الشاعر من فلسفة “الحلم” إلى حقيقة “القوة”، موضحاً أن هذا الوطن حين يصبر، لا يصنع ذلك عن عجز، بل عن اقتدار، وأن الصمت الذي يسبق الإعصار ليس ضعفاً في الكامن، بل تحكمٌ في لحظة الانطلاق.

ليغدو هذا البيت بمجموع شطريه معادلة كاملة لمهابة الأوطان: حلمٌ يتسربل بالسكون، وتحته قوةٌ متى ما تحركت، اجتثت كل من اغترّ بمهلتها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه القصيدة، أنها لا تكتفي بأن تقول: نحن نحب وطننا، بل تحاول أن تشرح لماذا يسكن هذا الوطن في وجدان أبنائه بهذه القوة، لأن وراء المحبة تاريخاً، ووراء التاريخ ذاكرة، ووراء الذاكرة رجالاً وأجيالاً، ووراء كل ذلك أرضٌ أصبحت مع الأيام جزءاً من تكوين الإنسان نفسه.

ولهذا يختم الأمير المثقف عبدالرحمن بن مساعد نبرته بتحذيرٍ تختلط فيه الحكمة بالقوة:

صبرُ الحليم بنا فحاذر صبرَنا

وارفق بنفسك هل تُطاق النار؟

وهي خاتمةٌ تترك صدى يتجاوز البيت الشعري، فالصبر حين يكون صبر الحليم ليس ضعفاً، وإنما هو قدرةٌ على ضبط القوة، حتى تأتي في موضعها، وكأن القصيدة منذ بدايتها إلى نهايتها تقول إن الوطن الذي يعرف قيمة الصبر، يعرف كذلك قيمة العطاء، ويعرف متى يرفع راية المحبة، ومتى يحمي حدوده وكرامته.

وهكذا لا تبقى قصيدة شبيه الريح مجرد أبياتٍ في حب المملكة، بل تتحول إلى مرآةٍ لمشاعر وطنية راسخة، فيها من التاريخ ما يمنحها جذورها، ومن الشعر ما يمنحها جناحين، ومن المحبة ما يجعلها قريبةً من القلب.

وإن كان هنالك قصائد تُقال ثم تُنسى، وقصائدٍ أخرى تبقى، لأن وراء الكلمات شعوراً أكبر من الكلمات، فإن قصيدة الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد، من ذلك النوع الذي إذا انتهت أبياتها، لم ينتهِ أثرها، لأن آخر ما يبقى منها ليس بيتاً بعينه، بل ذلك الإحساس العميق بأن الوطن، مهما حاول الشعر أن يصفه، يظل أكبر من القصيدة وأوسع من الحروف.

ختاماً..

لا يسعُ للحروف إلا أن تنحني إجلالاً أمام هذا التدفق الشاعري الباذخ، فـ شكراً لسمو الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد، الذي لم يكتب مجرد قصيدة، بل أهدى للوطن وثيقة حبٍ خالدة، وللروح صرحاً من الكبرياء والوفاء.

لقد أثبت “شبيه الريح” مجدداً أن الشعر حين يصدر من قلبٍ يعرف قدر هذا التراب، يتحول من كلمات تُقرأ، إلى هيبةٍ تُعاش، ونبضٍ يتوارثه الشموخ.

شكراً لهذا القلم الرفيع الذي صاغ مشاعرنا بأبهى الصور، وترك في ذاكرة الوطن أثراً باقياً لن يمحوه الزمان.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.