أن تكون سعوديًا اليوم
قراءة في 6 دقائق

محمد بن طرجم
مستشار بناء السمعة و إدارة الأزمات
أحتفل باليوم الوطني منذ عقود، وأعرف كيف كان يمر علينا في سنوات مضت: عطلة رسمية، وأعلام على بعض المباني، وأغانٍ وطنية في الإذاعة والتلفزيون. ما أراه اليوم مختلف. الناس يحتفلون كأن المناسبة مناسبتهم الشخصية، والشباب يلبسون الأخضر دون أن يطلب منهم أحد ذلك، والعائلات تخرج إلى الشوارع، والفرحة تبدو أقل رسمية وأكثر تلقائية. قد يبدو هذا تفصيلًا صغيرًا، لكنه يلخص في رأيي شيئًا أعمق حدث خلال السنوات الأخيرة. تغيرت السعودية، وتغير معها شيء في علاقتنا نحن السعوديين بوطننا.
ظل السعودي معتزًا بوطنه دائمًا، لكنني أرى اليوم أن الهوية الوطنية أصبحت أكثر حضورًا في تعريف الإنسان السعودي لنفسه. أن تقول “أنا سعودي” اليوم تحمل معنى أوسع مما كانت تحمله قبل سنوات. هناك جيل يرى نجاح بلاده جزءًا من نجاحه الشخصي، وينظر إلى ما يحدث فيها باعتباره مشروعًا يخصه، لا مجرد قرارات تصدر من الدولة. ومشاهد الاحتفال التي نراها اليوم لا أعتقد أنها قابلة للصناعة بتوجيه أو حملة إعلامية. تستطيع أن تطلب من الناس رفع الأعلام، لكن الشعور بأن المناسبة تخصهم لا يصدر بقرار. هذا الشعور يتكون حين يرى الإنسان أثر وطنه في حياته وفرصه وطموحه وصورته عن مستقبله.
من يزور المملكة لأول مرة قد لا يرى شيئًا استثنائيًا في امرأة تقود سيارتها إلى عملها، أو في عائلة تحضر فعالية ثقافية، أو في شاب يفتتح مشروعه، أو في سائحة تتجول في مدينة سعودية. لكن من عاش هنا يعرف أن كثيرًا من هذه المشاهد كان قبل سنوات قليلة بعيدًا عن شكل الحياة الذي اعتدناه. وهنا تكمن قيمة التحولات الاجتماعية، فهي تبدأ بأنظمة وقرارات، ثم تثبت نفسها حين تتحول إلى سلوك يومي عادي. وأظن أن هذا من أعمق ما تغير في السعودية. اتسعت حدود الممكن في أذهان الناس، وأصبح الطموح نفسه أكثر جرأة. لم يعد مستغربًا أن نتحدث عن صناعة تنافس، ومدن تتحول إلى وجهات عالمية، وشركات سعودية تصل إلى الخارج، وقطاعات جديدة في الثقافة والرياضة والسياحة والتقنية. التحول الحقيقي يبدأ حين يتغير ما يعتقد الناس أن وطنهم قادر على فعله.
ربما لا توجد صورة أوضح لهذا التحول من المرأة السعودية. فقيادة السيارة، التي كانت قبل سنوات قضية كبيرة، أصبحت اليوم تفصيلًا عاديًا في الحياة. الأهم هو اتساع حضور المرأة داخل الاقتصاد والمجتمع. ارتفعت مشاركتها في سوق العمل خلال سنوات قليلة من مستويات متواضعة إلى نحو الثلث وما فوقه، وتحقق الهدف الأول للرؤية مبكرًا ثم رُفع إلى مستوى أعلى. غير أن الرقم وحده لا يروي القصة. خلفه أسر تغيرت فيها مصادر الدخل، وفتيات اتسعت أمامهن الخيارات المهنية، ومؤسسات تغير شكلها من الداخل، وأجيال صغيرة أصبحت ترى حضور المرأة في العمل والإدارة والاقتصاد باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة. عند هذه النقطة يصبح التغيير اجتماعيًا بالفعل، لأن القرار يتحول إلى واقع يومي لا يحتاج إلى تفسير.
النفط كان وما يزال مصدر قوة استثنائيًا للسعودية، وسيظل عنصرًا رئيسًا في اقتصادها ومكانتها. قيمة التحول الاقتصادي في السنوات الأخيرة تكمن في محاولة توسيع مصادر القوة، بحيث لا يكون ما نملكه تحت الأرض هو وحده الذي يحدد قدرتنا على صناعة المستقبل. الصناعة، والسياحة، والتقنية، والخدمات، والثقافة، والرياضة، والاستثمار والمعرفة كلها أصبحت جزءًا من تصور اقتصادي أوسع. كما أن هذا التحول يعيد تشكيل دور السعودي داخل الاقتصاد. اتساع القطاعات الجديدة يعني حاجة أكبر إلى التخصص، والمنافسة، والمبادرة، وتحمل المخاطرة، وصناعة القيمة. لهذا أراه تحولًا ثقافيًا بقدر ما هو اقتصادي. الدولة التي تبدأ التغيير وهي في موقع قوة تملك مساحة أكبر للاختيار، وهذه ميزة لا ينبغي التقليل منها.
تغير أيضًا موقع السعودية في الخارج. قبل سنوات كنا نتابع الاجتماعات والوساطات الدولية وهي تعقد غالبًا في عواصم بعيدة، واليوم أصبحت الرياض وجدة من الأماكن التي يأتي إليها الآخرون عندما يحتاجون إلى الحديث. استضافت السعودية محادثات بين أطراف دولية متباعدة، ولعبت أدوارًا سياسية ودبلوماسية في ملفات إقليمية ودولية متعددة. قيمة ذلك في رأيي تتجاوز الاجتماعات نفسها. هي تعكس قدرة على الحفاظ على قنوات مع أطراف مختلفة، ومساحة أوسع للحركة وفق المصالح السعودية، ومكانة تجعل المملكة طرفًا يمكنه الحديث مع قوى لا تتفق فيما بينها. هذه القدرة لا تعني الدخول في كل صراع، وإنما امتلاك وزن يسمح لنا بأن نعرف مصالحنا ونحافظ على حقنا في تعريفها بأنفسنا.
ومع كل ذلك، لا أعتقد أن الطريق اكتمل، ولا أريد أن أكتب عن وطني وكأن كل مشروع نجح وكل هدف تحقق وكل قرار كان مثاليًا. هذا لا يخدم السعودية. هناك مشاريع خضعت للمراجعة، وأهداف أعيد ضبطها، وأولويات تحتاج دائمًا إلى المفاضلة، وتحديات ما زالت قائمة في سوق العمل والإنتاجية والتعليم والقطاع الخاص وكفاءة التنفيذ. القدرة على المراجعة في رأيي جزء من قوة المشروع نفسه. الطموح الكبير يحتاج إلى مرونة، وإلى مؤسسات تسمع الملاحظات وتزنها ثم تتخذ قراراتها وفق المصلحة الوطنية. الثقة الحقيقية لا تظهر في رفض النقد أو الاستجابة له تلقائيًا، بل في القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يؤخذ بجدية وما يمكن تجاوزه.
عملت في السمعة والاتصال أكثر من عشرين عامًا، وتعلمت درسًا أعود إليه دائمًا: السمعة ليست ما تقوله عن نفسك، وإنما ما تستطيع إثباته عن نفسك مرة بعد أخرى. ولهذا أنظر إلى ما يحدث في السعودية من هذه الزاوية أيضًا. يمكن أن نكتب آلاف الحملات عن تغير المملكة، لكن امرأة تذهب كل صباح إلى عملها أقوى من ألف إعلان عن تمكين المرأة، وشاب يبني مشروعًا ناجحًا أقوى من ألف رسالة عن ريادة الأعمال، وسائح يعود إلى بلده بتجربة مختلفة عما كان يتوقعه أقوى من ألف مادة إعلامية عن السياحة، واجتماع دولي يختار الرياض مكانًا له أقوى من ألف تصريح عن المكانة السياسية. السمعة في النهاية بنية تحتية من الأدلة، وكلما تراكمت هذه الأدلة أصبحت صورة البلد أكثر صلابة. سيظل هناك من يحب السعودية، ومن ينتقدها، ومن يختلف معها، ومن تحكم نظرته مصالح أو مواقف أيديولوجية، وهذا طبيعي. لا توجد دولة مؤثرة يتفق عليها الجميع. المهم أن تكون لدينا حقائق على الأرض يصعب على المنصف تجاهلها.
بالنسبة لي، أن تكون سعوديًا اليوم يعني أن تنتمي إلى وطن يتحرك بسرعة، وأن تدرك أن هذه الحركة تضع عليك مسؤولية بقدر ما تمنحك من فرص. الفخر مهم، لكنه لا يكفي. المرحلة تحتاج إلى كفاءة، وإنتاج، وتعلم، ومبادرة، وقدرة على نقد النقص من داخل الانتماء لا من خارجه. التحولات الكبرى لا تنجح بالحكومة وحدها، وإنما حين تنتقل من المشروع الرسمي إلى الثقافة اليومية، وتصبح قيم العمل والإتقان والمسؤولية جزءًا من السلوك العام. جيل التوحيد بنى الدولة، والأجيال التي جاءت بعده حفظتها ورسخت مؤسساتها، ومسؤولية جيلنا أن يجعل هذا الوطن أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر إنتاجًا، وأكثر معرفة، وأكثر تأثيرًا، من دون أن يفقد ما يجعله سعوديًا. فالتحديث الحقيقي لا يحتاج منا أن نصبح نسخة من أحد، وإنما أن نعرف أنفسنا جيدًا ونبني أفضل ما نستطيع أن نكونه.
ولهذا، عندما أرى شابًا يلبس الأخضر في اليوم الوطني دون أن يطلب منه أحد ذلك، لا أراه مجرد مشهد احتفالي. أراه نتيجة قصة أطول، قصة وطن أصبح أقرب إلى حياة أبنائه، وأصبحوا هم أقرب إلى مشروعه. وهذا، بالنسبة لي، هو معنى أن تكون سعوديًا اليوم: أن تعتز بما تحقق، وترى ما لم يتحقق بعد، وتحتفل بالإنجاز من دون أن تتوقف عنده، وتعرف أن الفصل الأهم في قصة هذا الوطن لم يُكتب بعد.
كل عام والسعودية بخير.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



