تخطَّ إلى المحتوى

تكثيف النشاط لكشف ثقافة الإحباط!

alyturk

قراءة في دقيقتان

الكاتب أحمد العرفج
الكاتب أحمد العرفج

أحمد العرفج 

في موروثنا الشعبي ثروة هائلة، لكنها للأسف ثروة مُحبِطة، تُكرّس للتقاعس واليأس، وتدعو للركون وقلة النشاط !

نحن أمة تحفظ الأمثال أكثر مما تحفظ الأحاديث، والمثل عندنا يسير مسير النار في الهشيم، ويصبح قانوناً يُحتكم إليه، حتى لو كان هذا المثل يدعو إلى الفشل!

تأملوا معي هذه القائمة السوداء من الأمثال التي تربينا عليها :

يقولون لك: “مد رجلك على قد لحافك”

ولماذا لا أطوّل لحافي؟ لماذا لا أكبر غطائي؟ لماذا يريدون مني أن أتقزم على مقاس اللحاف؟

ويقولون : “تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش”

وهذا دعوة صريحة لترك السعي والعمل، مع أن السماء لا تمطر ذهباً !

ويقولون: “اللي يبص لفوق يتعب”

وكأنهم يريدوننا أن نبقى ننظر تحت أقدامنا طوال العمر !

ويقولون: “ارضى بقردك لا يجيك اللي أقرد منه”

و”الوجه اللي تعرفه خير من الوجه اللي ما تعرفه”

وكلها أمثال تُخوفك من التغيير، وتُرهبك من التجديد، وتجعلك أسيراً لواقعك!

إن هذه الأمثال ليست مجرد كلمات، إنها أغلال متراكمة!

نعم، أغلال تقودنا وتتحكم في تصرفاتنا، تعلمناها ونحن في غياهب الطفولة.

تعلمنا ونحن فتيان نكابر بعضنا رجولة وشطارة مقولة: “جلد ما هو جلدك جره على الشوك”

استوعبنا المثل طولاً وعرضاً، فأصبحنا لا نبالي بإيذاء الآخرين طالما أن الأذى ليس فينا!

ثم دخلنا المدرسة وتعلمنا حديثاً شريفاً معناه : “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”

وتعلمنا: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”

وقرأنا عن الإيثار وإنكار الذات، ولكن كل هذا التعليم جاء متأخراً، فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكبر كالنقش على البحر !

وتأملوا هذا التسويق للرداءة:

كيف تفهم مقولة: “إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي”

أنا أفهمه تسويقاً للنفاق والدجل!

وكيف تفهم: “اتقِ شر من أحسنت إليه”

وهذا معناه لا تُحسن لأحد، وإذا أحسنت فستبقى في حالة توتر !

إن هذا التراكم الحضاري من التراث هو خليط من العادات والتقاليد، وما أدراك ما هما، إنهما الآفتان اللتان تنخران في جسم المجتمع، وتأكلان الأخضر من الفكر، واليابس من الحيوية، فالمرء مقيد بحمل ثقيل من الأقوال والأفعال، أصبح تماماً مثل الجمل الذي يحمل حطباً كلما رفع رأسه اصطدم بجذع من هذا الحطب!

لذا.. لنلقِ كل الأمثال المحبطة والمحيطة في سلة النسيان، ونفرح بالأمل مرددين قول القائل :

أُعلل النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ

ولنردد مع الشاعر التونسي الشاب أبي القاسم الشابي الذي داهمه الداء وفتكت به الضراء وهو يردد :

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر!

أيها القارئ.. استمع إلى جدك الشاعر القروي عندما قال في العادات والأمثال أولها :

نصحتك لا تألف سوى العادة التي

يسرك منها منشأ ومصير

فلم أر كالعادات شيئاً بناؤه

يسير، وأما هدمه فعسير!

حسناً.. ماذا بقي؟!

بقي القول: إن خير عادة ألا يكون لك عادة، وخير مثل ألا تؤمن بالمثل المحبط .!

 

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.