الثقة لا تبدأ من البيان الصحفي
قراءة في دقيقتان

أنغام السقاف
في زمن تتسارع فيه التقنية أسرع من قدرة التشريعات على ملاحقتها، يعود سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: من يراقب من؟
أعاد اجتماع البيت الأبيض أخيرًا مع قيادات كبرى شركات الذكاء الاصطناعي هذا السؤال إلى الواجهة. الاتفاق المعلن يتضمن ضوابط داخلية، وتقييمًا خارجيًا مستقلًا، وإشرافًا على مستوى مجالس الإدارات، لكنه يظل التزامًا طوعيًا بلا عقوبات محددة عند عدم الامتثال.
بعيدًا عن الجدل الأمريكي، تكشف الحالة مسألة أوسع في الاتصال المؤسسي: هل تستطيع المؤسسة أن تطلب ثقة الجمهور بينما تكون هي نفسها طرفًا في صناعة الخطر وتقييمه؟
لطالما عُدّت الشفافية من أهم روافع الثقة؛ أن تشرح المؤسسة قراراتها، وتعلن سياساتها، وتستجيب للمخاوف بدل تجاهلها. لكن الشفافية تخبرنا بما تقوله المؤسسة عن نفسها، ولا تمنح هذا القول مصداقيته تلقائيًا.
أن تعلن المؤسسة التزامها شيء، وأن توجد آلية مستقلة تستطيع اختبار هذا الالتزام شيء آخر.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة صورة الثقة وبناء بنيتها.
الأولى قد تبدأ برسائل مطمئنة وتعهدات وتقارير وتصريحات قيادية. أما الثانية فتبدأ قبل البيان الصحفي: من الحوكمة، ووضوح المسؤولية، واستقلالية التقييم، وآليات المساءلة، ثم يأتي الاتصال ليشرح ما هو موجود بالفعل، لا ليعوّض غيابه.
والقضية لا تخص شركات التقنية وحدها. تنطبق على المؤسسات المالية والصحية والمنصات الرقمية وكل جهة تتعامل مع بيانات الناس أو سلامتهم أو مصالحهم. فكلما ارتفعت حساسية ما تديره المؤسسة، أصبحت المسافة بين من يتخذ القرار ومن يقيّمه جزءًا من سمعتها.
ولعل هذا يغيّر سؤال مسؤولي الاتصال أنفسهم. بدلًا من: كيف نقنع الجمهور بأن يثق بنا؟ يصبح السؤال: ما الذي بنيناه داخل المؤسسة ليجعل الثقة نتيجة منطقية؟
فالسمعة لا تُحمى بكثرة الرسائل إذا كانت البنية التي تقف خلفها ضعيفة، كما أن الحوكمة الجيدة قد تفقد جزءًا من قيمتها إن عجزت المؤسسة عن شرحها بوضوح. العلاقة بينهما تكاملية: الاتصال يمنح الحوكمة صوتًا، والحوكمة تمنح الاتصال ما هو أهم من الصوت؛ المصداقية.
الثقة، في النهاية، ليست رسالة تُرسل إلى الجمهور، بل نتيجة تتكوّن لديه.
ولهذا قد تكون المؤسسة الأقوى سمعةً ليست التي تقول «ثقوا بنا» بأعلى صوت، بل التي بنت من الأدلة والضوابط والاستقلالية ما يجعلها أقل حاجة إلى قولها أصلًا.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



