قراءة في هندسة الخطاب الملكي بين ثبات المرجعية واستشراف المستقبل
قراءة في 3 دقائق

ريم الشاطري
المفردات في الخطابات الكبرى لا تعتبر مجرد وعاء يحمل المعلومة حين تتحدث الدولة تصبح المفردة موقفاً والضمير دلالة والفعل اتجاها والرقم حجة وبرهانا.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطاب السنوي الملكي الذي ألقاه سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نيابة عن سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز خلال افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.
بوصفه نصًا يكشف عن هندسة لغوية دقيقة لخطاب دولة تجمع بين ثبات المرجعية وحركة التنمية ووضوح الموقف واستشراف المستقبل.
يبدأ الخطاب من «الأمانة»، ويمر بـ«الشورى»، ثم يصل إلى «الرؤية» و«الإنسان» و«الاستدامة» و«المستقبل» و«السيادة» و«الاستقرار».
مفردات ترسم خريطة دلالية واضحة
دولة تستند إلى جذورها وهي متجهه إلى المستقبل
ولعل أول ما يلفت نظر المتأمل هو دلالة الضمائر. فعندما يقترب الخطاب من الوجدان الوطني تظهر كلمات: «وطننا»، و«شعبنا»، و«بلادنا»، و«طموحاتنا». وحين ينتقل إلى السياسات والمواقف الخارجية تتقدم الصفة المؤسسية: «تؤكد المملكة»، و«تدعم المملكة»، و«تجدد المملكة». وهنا الضمير أداة اتصال ذكية لا أداة نحوية مجردة.
النص يعتمد على لغة الفعل أكثر من لغة الصفة «انطلقت»، «عملت»، «حققت»، «نجحت»، «أطلقت»، ثم «تعمل»، «تؤكد»، «تدعم»، وصولًا إلى «سيسهم»، و«ستوفر»، و«ستشكل».
حركة زمنية تبدأ بما تحقق، وتمر بما يجري، وتنتهي بما سيأتي. وبذلك لا يقدم المستقبل بوصفه أمنية، وإنما امتدادًا لمسار بدأ بالفعل.
وهنا تظهر سمة تستحق التأمل في الخطاب السعودي الحديث: الانتقال من بلاغة الإنشاء إلى بلاغة الإنجاز.
أيضا نلاحظ أن البلاغة دخل إليها الرقم والمؤشر والمستهدف عندما يتحدث الخطاب عن تريليونات الريالات، ومئات الآلاف من فرص العمل، ونسب النمو، والمراكز في المؤشرات الدولية وهذه، إن جاز التعبير، بلاغة الرقم: أن يصبح الإنجاز قابلًا للقياس، والمستهدف محددًا، والمستقبل مرتبطًا بتاريخ ونتيجة منتظرة.
وفي وسط لغة الاقتصاد والمشروعات والأرقام، تبرز جملة قصيرة شديدة الدلالة:
«الإنسان هو الأهم في سياسات المملكة»
لم يقل النص إن الإنسان «مهم»، وإنما قال «هو الأهم»
وبين العبارتين مسافة دلالية كبيرة؛ فاسم التفضيل يضع الإنسان في قمة سلم الأولويات، وضمير الفصل «هو» يزيد المعنى تحديدًا وتوكيدًا. وهكذا تتحول جملة قليلة الكلمات إلى مظلة دلالية يمكن تحتها قراءة التعليم والصحة والإسكان والعمل وجودة الحياة.
أما في السياسة الخارجية فتتغير طبيعة المفردات، وتصبح الأفعال محسوبة بدرجة لافتة: «تؤكد»، «تجدد»، «تدعم»، «تحث»، «تتابع»، «تأمل». ولكل فعل منها درجة دبلوماسية مختلفة؛ فـ«التأكيد» تثبيت للموقف، و«تجديد التأكيد» استمرارية له، و«الدعم» إعلان اصطفاف مع موقف، و«الحث» مطالبة، بينما يترك «الأمل» مساحة مفتوحة للحوار.
وهذه واحدة من أهم سمات اللغة الدبلوماسية: أن تقول بوضوح ما تريد، من دون أن تغلق بالكلمة ما قد تحتاج السياسة إلى إبقائه مفتوحًا.
وتتجلى هذه الدقة في الحديث عن إيران؛ إذ تبدأ العبارة بالإقرار بأنها «دولة جارة للمملكة»، ثم يأتي الأمل في تغيير سياستها والتوجه إلى «الحوار والتعاون»، قبل عرض مواضع الخلاف. ترتيب الجمل هنا جزء من الرسالة؛ فالخطاب يثبت الموقف، لكنه لا يلغي إمكان الحوار.
وفي موضع آخر تظهر عبارة «صوت الحكمة والعقل». والحكمة والعقل لا صوت ماديًا لهما، لكن الصورة البلاغية تجعل الاختيار السياسي وكأنه اختيار بين صوتين: منطق التصعيد ومنطق الحكمة. وهنا تعمل البلاغة لخدمة الموقف، لا لتزيين العبارة.
حتى كلمة «ثقل» في وصف مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا تستحق الوقوف عندها؛ فالثقل في أصل اللغة وزن، لكنه سياسيًا قدرة على التأثير. وحين تجاورها عبارة
«الدور المحوري» تتكون صورة دولة لا تكتفي بالحضور في المشهد، بل تمتلك القدرة على التأثير فيه.
وبين «الأصالة والحداثة» يكتمل جانب آخر من الخطاب. فالمستقبل في النص لا يأتي على حساب الهوية، كما أن استدعاء التاريخ لا يعني الارتهان للماضي. من جدة التاريخية والمساجد والتراث إلى نيوم والابتكار والمدن المستقبلية، تتكرر رسالة ضمنية واحدة:
لسنا أمام اختيار بين الهوية والمستقبل، بل أمام مشروع يريد أن يصل إلى المستقبل بهويته.
وهنا، ربما، تكمن بلاغة الخطاب الأعمق.
وحين نقرأ الخطاب بهذه الطريقة نكتشف أن لغة الدولة جزء من صناعة صورتها، وترتيب أولوياتها، وتثبيت مواقفها، وبناء علاقتها مع مواطنيها ومع العالم.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



