حين أبهرت جدة الخليج.. عبد العزيز بن تركي وصناعة المشهد
قراءة في 5 دقائق

سمير السيالي
عبد العزيز بن تركي.. من الرياضة إلى صناعة المشهد، ومن الملعب إلى المدينة، ومن البطولة إلى صورة وطن تتغير أمام العالم.
في السنوات التي مضت، لم تعد مهمة وزير الرياضة أن يتابع موسمًا وينتظر بطولة. الملفات اتسعت، والرياضة نفسها اتسعت معها؛ فورمولا 1 وصلت إلى كورنيش جدة، واستضافت المملكة رالي السعودية، ودخلت في الطريق إلى كأس العالم 2034، فيما أصبحت المدن السعودية محطات متكررة للبطولات القارية والعالمية. وحين تتعدد هذه المشاهد، يظهر أن الرياضة لم تعد نشاطاً قائماً بذاته، بل أصبحت إحدى الأدوات التي تُعرّف بالمملكة وتفتح مدنها على العالم.
في جدة تحديداً، يمكن رؤية هذا التحول بوضوح. فمنذ 2021، ارتبط اسم المدينة بفورمولا 1 وحلبة كورنيش جدة، التي استضافت خمس نسخ من سباق جائزة السعودية الكبرى، واستقبلت فرقاً وسائقين وجماهير من مختلف أنحاء العالم. وفي 2025، استضافت جدة للمرة الأولى جولة من بطولة العالم للراليات، في حدث أشرفت عليه وزارة الرياضة.
ثم جاء الإعلان عن استضافة المملكة لكأس العالم 2034، لتكون جدة إحدى المدن الخمس المضيفة للمباريات، في نسخة ستكون الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبًا. وكان عبد العزيز بن تركي ضمن الهيئة العليا لاستضافة المونديال التي يرأسها ولي العهد.
وسط هذا المسار، جاء «خليجي 27» إلى جدة للمرة الأولى في تاريخ البطولة.
وهنا لم يكن الاختيار مجرد اختيار ملعب.
كان اختيار مدينة.
مدينة تستطيع أن تستقبل الجماهير داخل المدرجات، ثم تفتح لهم أبوابها خارجها؛ مدينة لها تاريخها في البلد، وبحرها على الكورنيش، وحياتها التي لا تتوقف عند صافرة الحكم.
والأجمل أن البطولة لم تنتهِ عند حدود الاستضافة؛ فقد انتهت بالكأس سعوديًا، بعدما نجح المنتخب السعودي في التتويج بلقب «خليجي 27» أمام جماهيره، لتكتمل الحكاية من المدرجات إلى منصة التتويج.
كان مشهدًا يختصر الكثير.
جدة التي فتحت أبوابها للأشقاء الخليجيين، احتفلت في النهاية بكأس خليجية سعودية. والجمهور الذي عاش البطولة في شوارع المدينة وواجهاتها البحرية، وجد نفسه في ليلة الختام أمام لحظة وطنية مختلفة؛ منتخب بلاده يرفع الكأس، والمدينة كلها تعيش فرحة الانتصار.
وهنا تحديداً تتجاوز قيمة الاستضافة فكرة التنظيم.
فأنت لا تستضيف بطولة فقط، بل تصنع سياقاً كاملاً حولها؛ جمهور يأتي من أجل كرة القدم، ومدينة تمنحه تجربة، ومنتخب ينافس على اللقب، ثم لحظة تتويج تمنح الحدث ذاكرة لا تُنسى.
الجمهور الخليجي الذي جاء لمساندة منتخبه وجد أمامه جدة التاريخية، بتفاصيلها وأزقتها ورواشينها، ووجد الواجهة البحرية التي أصبحت مقصدًا للجماهير بين المباريات. وتوثق التقارير المصاحبة للبطولة حضور زوار من مختلف دول الخليج في جدة التاريخية والواجهات البحرية والمواقع الترفيهية، فيما استقطبت واجهة روشن البحرية أعداداً كبيرة من الجماهير للاستمتاع بالبحر والمرافق والمساحات المفتوحة.
وهنا يصبح عمل وزير الرياضة أكثر وضوحاً ؛ لأن البطولة الناجحة لم تعد تقاس بما يحدث داخل الملعب وحده، وإنما بقدرة المدينة على استيعاب الحدث وصناعة تجربة متكاملة حوله.
وهذا ما كانت جدة تفعله.
المباراة في ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية، وبعدها البلد، والواجهة البحرية، والمطاعم، والمقاهي، والبحر. حتى الرحلة نفسها اتسعت؛ فبعض الجماهير استثمرت وجودها في جدة للوصول إلى مكة والمدينة عبر قطار الحرمين، لتتحول الزيارة الرياضية إلى تجربة أوسع داخل المملكة.
ولذلك، حين نتحدث عن عبد العزيز بن تركي، لا يكفي أن نقول إنه وزير يشرف على البطولات. الأوضح أن الملفات التي يقودها أصبحت مرتبطة بتحويل الاستضافة إلى صناعة متكاملة: بطولة تستقطب الجمهور، ومدينة تستقبل الجمهور، وتجربة تجعل الزائر يرى أكثر من الملعب.
وهذا تحديدًا ما كشفه «خليجي 27».
لم يكن الخليج حاضراً في مدرجات جدة فقط؛ كان حاضراً في شوارعها.
الأعلام الخليجية ظهرت في جدة التاريخية، والجماهير خرجت من الملاعب إلى الواجهات البحرية، وصار الحدث الرياضي جزءًا من حركة المدينة نفسها.
ثم جاءت لحظة التتويج لتمنح المشهد بعداً آخر.
السعودية تفوز بالكأس، وجدة تحتفل.
في ليلة واحدة، اجتمعت صورة البطولة بصورة المدينة وصورة المنتخب؛ جمهور خليجي عاش تفاصيل الاستضافة، وجمهور سعودي احتفل باللقب، ومدينة استطاعت أن تكون مسرحًا للمنافسة وواجهة للاحتفال في الوقت نفسه.
واللافت أن جدة لم تكن تحتاج إلى أن تتخلى عن شخصيتها حتى تنجح في الاستضافة.
على العكس.
الرواشين أصبحت جزءًا من المشهد، والبحر أصبح جزءاً من التجربة، والتاريخ أصبح جزءاً من ذاكرة الزائر.
وهذا هو الفرق بين أن تستضيف بطولة، وأن تجعل مدينة كاملة تعيشها.
من فورمولا 1 إلى رالي السعودية، ومن دوري أبطال آسيا إلى الطريق نحو كأس العالم 2034، ثم إلى «خليجي 27»، تتضح ملامح مرحلة جديدة في الرياضة السعودية؛ مرحلة أصبح فيها الملعب نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية.
وفي جدة ظهر ذلك بأوضح صورة.
مدينة كانت معروفة ببحرها وتاريخها، أصبحت اليوم تعرف أيضًا بقدرتها على استقبال أكبر الأحداث الرياضية. وحين جاء الخليج إليها، لم يجد مدينة مغلقة على بطولة، بل مدينة مفتوحة على تجربة كاملة.
ثم غادر، بينما بقي الكأس في السعودية.
ربما لهذا كان الانبهار أكبر من نتيجة مباراة.
فالمشجع الذي جاء من أجل منتخب، وجد مدينة.
والذي جاء لتسعين دقيقة، وجد أياماً .
والذي دخل المدرج، خرج إلى البحر.
والذي جاء لمتابعة بطولة، عاد بذكرى مدينة، وبقيت لديه صورة منتخب سعودي يرفع الكأس في جدة.
وهنا تكمن قيمة المشهد كله؛ أن الرياضة حين تُدار بهذا الاتساع لا تصنع منافسة فقط، بل تصنع حركة في المدينة، وتمنح الزائر سببًا لأن يكتشفها، وتمنح المكان فرصة لأن يظهر بصورة جديدة.
عبد العزيز بن تركي يقف اليوم في قلب هذا التحول، والملف أمامه لم يعد بطولة تنتهي بتتويج بطلها.
الملف هو أن تصبح المملكة وجهة للرياضة العالمية، وأن تكون مدنها قادرة على حمل الحدث وتقديم نفسها معه.
وفي جدة، كان «خليجي 27» واحدًا من تلك اللحظات التي ظهر فيها التحول أمام الناس، لا في الخطط والملفات.
ظهر في المدرجات.
وفي البلد.
وعلى البحر.
وفي وجوه الجماهير الخليجية وهي تكتشف جدة من جديد.
وظهر أيضًا في ليلة التتويج، حين ارتفع الكأس سعودياً، واكتملت الحكاية بانتصار المنتخب على أرضه وبين جماهيره.
وحين تنتهي البطولة، قد يبقى الكأس في خزينة الفائز، لكن الصورة الأوسع تبقى في ذاكرة من جاء.
صورة جدة.
مدينة البحر والتاريخ، وهي تفتح أبوابها للخليج، ثم تحتفل بكأسها مع منتخبها.
وهكذا لم تعد الرياضة السعودية تستضيف العالم فحسب؛ أصبحت تأخذه في جولة داخل المكان الذي تستضيفه فيه، وتمنحه في النهاية قصة تستحق أن تُروى.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.


