شكوى في غير محلها
قراءة في 3 دقائق

د. سعود النداح
يمر بكل واحد منا وقت يشعر فيه بضجر من حاله، سواءً نقص في المال أو تأخر في الذرية أو ركود في مشروع أو أمنية تأخرت عن موعدها الذي حدده لها صاحبها في نفسه. وفي خلوة هادئة مع النفس يتسلل السؤال نفسه الذي يعرفه كل إنسان: متى ستتغير حياتي إلى الأفضل؟
وهذا السؤال يبدو في ظاهره حقًا مشروعًا لا اعتراض عليه، فالرغبة في الأفضل فطرة زرعها الله في الإنسان ولم يذمها في كتابه. لكن خطورته تكمن في باطنه لا في ظاهره. ففيه من حيث لا نشعر نكران خفي لفضل عظيم نتقلب فيه ليل نهار ولا ننتبه إليه لانشغالنا بما ننتظره. فنحن نسأل عن غدٍ لم يأتِ ونحن غارقون في يوم مليء بالنعم لم نُحصِ عُشرها.
تأمل أن الله نفخ فيك من روحه، وهذا وحده فضل لا يقدر قدره أحد. تنام آمنًا وتستيقظ بصحة تقوم بها من فراشك بلا معونة، وتجد قوت يومك حاضرًا دون أن تسأل من أين جاء. وقد قال سبحانه: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها))، فكل ذرة خير نحياها فضل من الله لن نستطيع مهما عملنا أن نوفيه حقه. ومع هذا الزحام من النعم الحاضرة يظل بعضنا يسأل متى الأفضل، وكأن ما بين يديه الآن لا يستحق أن يُذكر أصلًا.
وليس في هذا الكلام اعتراض على طلب الأفضل، فالدعاء والسعي إليه عبادة يحبها الله من عباده. الخطورة أن نتحول من عبد يسأل ربه بافتقار وتذلل إلى عبد يطالب بحق يظنه مستحقًا له. فنتقرب إلى الله أحيانًا كأننا نعقد معه صفقة لا نلتمس منه فضلًا. فإذا طال الأمد ولم تتحقق الأمنية بالسرعة التي رسمناها في أنفسنا تسلل إلينا التضجر، وربما الاعتراض الخفي على قدر لم يعجبنا توقيته.
وهنا يكمن العلاج الحقيقي، العودة إلى معنى العبودية الحق. فنحن عبيد مملوكون لله، لا شركاء له في تدبير أمرنا، والعبد لا يملك أن يتضجر من عطاء سيده أو يقلل من فضله، وليس له أن يحدد لسيده متى يعطيه وكيف. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلمة تستحق أن تُكتب بماء الذهب: “من لم يتعبد لله طوعًا تعبد قهرًا لغيره”. فالإنسان الذي يرفض عبودية الرضا لله يقع من حيث لا يشعر في عبودية أخرى. عبودية القلق على الرزق، وعبودية الترقب المستمر، وعبودية الأمنية التي تستعبد صاحبها فلا يهنأ حتى تتحقق. والحرية الحقيقية لا تكون إلا في عبودية الله وحدها، لأنها العبودية الوحيدة التي لا تستذل صاحبها، إنما تحرره من كل عبودية أخرى.
ومن أدق ما يكشف هذا المعنى قوله تعالى: ((لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد))، فالزيادة التي ننتظرها مرتبطة بالشكر لا بالشكوى، والباب الذي يفتح المزيد هو الامتنان بما هو موجود لا التضجر مما هو غائب. وربما كان تعجلنا وتسخطنا هو ما يؤخر عنا الأفضل الذي نطلبه؛ لأننا نطرق باب الزيادة بيد ممتلئة بالاعتراض بدل أن نطرقه بيد ممتلئة بالحمد.
وقد وثّقت أبحاث نفسية حديثة، أبرزها دراسات الباحث روبرت إيمونز، ما أشار إليه الوحي منذ قرون. فممارسة الامتنان اليومي بتدوين النعم الصغيرة أو استحضارها قبل النوم ترتبط بانخفاض ملموس في القلق وتحسن جودة النوم والرضا عن الحياة. والتفسير بسيط: لا يستطيع الإنسان أن يشعر بالقلق والامتنان الصادق في اللحظة نفسها بالكامل، فأحدهما يوجه الانتباه نحو ما ينقص، والآخر يوجهه نحو ما هو متوفر بالفعل.
فمن أراد أن تتغير حياته إلى الأفضل فليبدأ بسؤال أعمق من سؤاله المعتاد: هل أنا عبد شاكر لما أعطاني ربي قبل أن أطلب منه المزيد؟ فإن استقام الجواب استقام كل شيء بعده. وإن ظل الإنسان يعد ما ينقصه وينسى ما يملكه، فلن يشبعه أفضل يأتيه أبدًا. لأن المشكلة ليست في العطاء، المشكلة في عين لا ترى ما أُعطيت.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



