تخطَّ إلى المحتوى

التشريع في زمن التحول.. قراءة في فلسفة نظام التعليم العام السعودي

abdelmagid

قراءة في 5 دقائق

التشريع في زمن التحول.. قراءة في فلسفة نظام التعليم العام السعودي

أ.د. أحمد بن محمد الزائدي

تعيش التشريعات عمرًا أطول من القرارات، وتعيش القرارات عمرًا أطول من المبادرات. فالمبادرة تستجيب لحاجة، والقرار يعالج موقفًا، والسياسة تقود مسارًا، أما التشريع فيؤسس الإطار الحاكم الذي تنتظم في ظله السياسات والقرارات على امتداد الزمن. لذلك تُقاس قيمة التشريعات بقدرتها على استيعاب المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا، وبما تمنحه للمؤسسات من استقرار يسمح لها بالتطور من غير أن تفقد اتساقها.

وتبلغ التشريعات الكبرى ذروة أهميتها حين تصل التحولات الوطنية إلى مستوى لا يعود معه تطوير السياسات وحده كافيًا. عندها يتحول التشريع من أداة لتنظيم الواقع إلى إطار يعيد تشكيله؛ فيوحد الأسس الحاكمة، وينظم العلاقات المؤسسية، ويمنح التحول قاعدة مستقرة تقوده على المدى الطويل. وهكذا يصبح صدور التشريع علامة على نضج التحول، أكثر من كونه استجابة لاحتياج تنظيمي عابر.

بلغت المملكة العربية السعودية هذه المرحلة مع التقدم المتسارع في تنفيذ رؤية المملكة 2030. فبعد أن انصبت الجهود في السنوات الأولى على بناء المبادرات وإطلاق البرامج، اتجه مسار التحول نحو ترسيخ الأطر المؤسسية التي تكفل استدامته. وفي قطاع التعليم، رسخ برنامج تنمية القدرات البشرية توجهًا استراتيجيًا يضع تحسين نواتج التعلم في صميم التحول التعليمي، بوصفه مدخلًا لإعداد القدرات البشرية وتعزيز تنافسيتها. ومع انتقال هذا التحول إلى مرحلة البناء المؤسسي، بات التشريع امتدادًا طبيعيًا لمساره.

ويُعد التعليم من أكثر القطاعات تعرضًا للتغيرات المتسارعة؛ إذ تتجدد المعرفة، وتتبدل احتياجات سوق العمل، وتتسارع التقنيات، وتتطور توقعات المجتمع من المدرسة ووظائفها. وتستطيع السياسات مواكبة جانب من هذه المتغيرات، لكنها تبقى رهينة بالإطار الذي تنتظم داخله. ومن هنا تتمثل وظيفة التشريع في بناء بيئة مؤسسية تستوعب التحولات المتلاحقة، وتجعل التطوير عملية مستمرة لا سلسلة من الاستجابات المتفرقة.

في هذا السياق، يمكن قراءة نظام التعليم العام السعودي الذي صدر مؤخرًا. فالسؤال الذي يثيره لا يتعلق بعدد مواده، ولا بمقدار ما أضافه إلى التنظيمات السابقة، وإنما بالتصور الذي جاء ليؤسس له. فالتشريعات الكبرى تُقرأ من خلال الصورة المؤسسية التي ترسمها للمستقبل، قبل أن تُقرأ من خلال تفاصيلها النظامية.

تكشف القراءة المتأنية للنظام أن جوهره يتجاوز إعادة تنظيم الاختصاصات أو تحديث الإجراءات؛ فقد أعاد بناء الإطار النظامي للتعليم العام ضمن منظومة تشريعية موحدة، ورسم بنية مؤسسية أكثر اتساقًا، ونظم العلاقات بين الجهات المعنية، وترك للسياسات واللوائح التنفيذية مساحة تمكّنها من مواكبة المتغيرات.

وبهذا جمع بين وضوح الإطار ومرونة الإدارة، وهي المعادلة التي تمنح التشريعات قدرتها على الاستمرار في بيئات سريعة التغير.

تزداد أهمية هذا التصور إذا ما نظرنا إلى طبيعة التعليم العام؛ فلم يعد التعليم مسؤولية قطاع منفرد، بل أصبح مشروعًا وطنيًا تتقاطع فيه السياسات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والتنموية. وانعكس هذا الفهم في إنشاء مجلس شؤون التعليم العام بعضوية عدد من الجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يجسد انتقال إدارة التعليم من التنسيق الإداري إلى التكامل المؤسسي.

ولا تُقاس قوة التشريع بما ينشئه من هياكل تنظيمية، وإنما بقدرته على تحسين أداء المنظومة. ويبدأ الاختبار الحقيقي للنظام عندما تتحول مبادئه إلى سياسات، وتُترجم السياسات إلى ممارسات، فتنعكس آثارها في تعلم الطالب، وترتقي بجودة العملية التعليمية. وهناك تتحدد القيمة العملية لأي تشريع.

تتحقق هذه الغاية عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالمستوى المؤسسي، ثم تنتقل إلى السياسات واللوائح، فالمناهج والبرامج، لتنتهي داخل الفصل الدراسي. وكلما اتسقت حلقات هذه السلسلة، ازدادت قدرة المنظومة على تحقيق نواتج التعلم المستهدفة، وتحويل التشريع إلى أثر قابل للقياس.

كما تتجلى هذه الفلسفة في تنظيم المناهج والبرامج التعليمية؛ إذ يضع النظام الإطار النظامي العام لها، ويترك تفاصيل تطويرها وتنفيذها للسياسات واللوائح التنفيذية. ويعكس ذلك توجهًا تشريعيًا يوازن بين استقرار المرجعية النظامية ومرونة السياسات، بما يتيح تطوير المناهج والبرامج التعليمية لمواكبة التحولات المعرفية والتنموية ضمن مرجعية تشريعية مستقرة.

وعندما تنتقل هذه المنظومة إلى مستوى الممارسة داخل الفصل الدراسي، تصبح المدرسة المجال الذي تُترجم فيه السياسات والمناهج إلى ممارسات تعليمية مؤثرة، ويغدو المعلم محور تنفيذها، بينما يبقى الطالب الغاية التي تنتظم حولها المنظومة بأكملها. ولهذا أولى النظام عناية بالطالب، والمعلم، وولي الأمر، من خلال تنظيم الحقوق والواجبات، وتعزيز البيئة التعليمية، وتهيئة الأطر الداعمة للتطوير المهني، إدراكًا بأن جودة التعليم لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بكفاءة الممارسة التي تنتجها.

ولا يقتصر هذا التصور على الحوكمة الداخلية، بل يمتد إلى تنظيم مشاركة القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، ضمن إطار يحافظ على وحدة الأهداف الوطنية ومعايير الجودة. فلا تستهدف هذه المقاربة توسيع المشاركة فحسب، بل توجيهها بما يعزز التنوع في تقديم الخدمة التعليمية، مع الحفاظ على اتساق المنظومة التعليمية ومرجعيتها الوطنية.

ومع ذلك، فإن جودة البناء التشريعي لا تعني بالضرورة جودة التطبيق. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الفجوة بين فلسفة التشريع وواقعه التنفيذي تمثل أحد أكثر التحديات حضورًا في النظم التعليمية. وقد لا يكون التحدي في صياغة المبادئ، بقدر ما يكمن في قدرة البيئة المؤسسية على استيعابها، وترجمتها إلى سياسات ولوائح ونماذج تشغيلية تتسم بالكفاءة والمرونة.

ويرتبط نجاح التشريع أيضًا بترسيخ ثقافة تنظيمية تجعله مرجعية للممارسة اليومية، لا مجرد إطار نظامي ينظمها من الخارج. فالتشريعات لا تُختبر يوم إقرارها، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل السلوك المؤسسي وتحسين جودة الممارسة، وتحويل مبادئها إلى أثر مستدام.

ويجسد نظام التعليم العام السعودي هذا التوجه؛ إذ يؤسس لمرحلة جديدة في حوكمة التعليم، تعيد بناء الإطار النظامي، وتوضح المسؤوليات المؤسسية، وتوفر بيئة تشريعية تستوعب التحولات المستقبلية، وتحافظ في الوقت نفسه على اتساق المنظومة.

غير أن اكتمال البناء التشريعي لا يعني اكتمال التحول؛ فالقيمة الحقيقية لأي نظام لا تتحدد بما يتضمنه من مبادئ، وإنما بقدرته على إعادة تشكيل الممارسة المؤسسية، وتحويل المقاصد التشريعية إلى ممارسات ونتائج قابلة للقياس والتقويم.

ويبقى التحدي الحقيقي في بناء سياسات ولوائح ونماذج تشغيلية تجسد مقاصد النظام، وتمكن المؤسسات من تحويلها إلى ممارسات تتسم بالاتساق والكفاءة، مع قياسٍ منتظم للأثر، وتقويمٍ مستمر للممارسة، وتصحيحٍ للمسار كلما دعت الحاجة. فالتشريع يرسم الاتجاه، أما التنفيذ فهو الذي يمنحه قيمته العملية.

وحين تنجح هذه المنظومة في تحويل الفلسفة التشريعية إلى ممارسة مؤسسية، وتحويل الممارسة إلى تعلمٍ أفضل، يكون النظام قد أدى غايته الحقيقية. وعندها لا تُقاس قيمته بعدد مواده، ولا بما تضمنه من أحكام، بل بما يحققه من أثر مستدام في الإنسان، وبما يعززه من قدرة المملكة على بناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة، ورأس مال بشري يجسد مستهدفات رؤية المملكة 2030. فالتشريعات العظيمة لا يخلدها اكتمال نصوصها، بل ما تتركه من أثرٍ مستدام.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.