حزبين في كل حي.. وأنت واحد منهم
قراءة في دقيقتان

مطلق السبيعي
انتشرت في الآونة الأخيرة محلات الشاهي أو “الشاي” بكتابتها الصحيحة بالتوازي مع توسع وانتشار مقاهي القهوة المختصة، ولكل منهما رواده وعشاقه. الموضوع ما هو فقط في مزاج الكوب أو “بيالة” الشرب نفسها، بل صاحب ذلك التوسع ثقافة متنوعة في أمور كثيرة مثل نوعية الحوار، وطريقة الجلوس، وحتى في اختيار المكان، بل حتى في التعامل مع إعداد المشروب في المنزل.
مملكتنا الحبيبة صارت مدنها ومحافظاتها ميداناً لهذا التنافس؛ في كل حي تلقى محل شاهي يفتح مقابل مقهى مختص أو جنبه، أو العكس. وبين هذا وذاك تكوّن عندنا حزبان غير معلنين: “حزب الشاهي وحزب القهوة” (نقصد هنا السوداء أو المختصة تحديداً).
بحثت بشكل بسيط في ثقافة كل حزب، وكيف يتعامل مع الكوب والمكان والوقت. ورأيت أن رائد القهوة عنده معايير قبل ما يدخل المكان، جودة البن وتنوع المشروبات وطريقة التقديم، وحتى التقييم على قوقل. كما أنه يهتم في فن التقديم نفسه مثل الرسم على الرغوة، وتناسق الأكواب وأشكالها اللي تجعلها أكثر قابلية للتصوير والنشر. هذا الاهتمام بالتفاصيل عند حزب القهوة ليس تكلفاً، هو ذوق. تلقى الجلسة عندهم أسرع وأكثر تركيزاً، والأحاديث غالباً تميل للمواضيع العملية أو السريعة؛ لأن الوقت محسوب. الكوب لما يخلص، ما هو لازم يعني “قوم”، لكنه إشارة إلى أن غرض الجلسة انتهى.
حزب الشاهي مختلف من أول خطوة، البحث عن المكان عندهم ما فيه تعقيد، لأن السعادة يرونها في الأنس لا في الديكور. ومعيارهم في اختيار المكان اللي يدوّرونه هو مكان يتحمل ضحكهم وسوالفهم الطويلة. “وبيالة” الشاهي ما تنحفظ بصورة بقدر ما تنحفظ بصوت: صوت البراد وهو يصب، وصوت ضحك السوالف، واللقطة الجماعية العفوية اللي أحياناً تحضر بدل الكوب المرتب على الطاولة.
طاولتهم طاولة “ما توقف “بيالة ورا بيالة” والأحاديث تنتقل من الجد للضحك بلا حدود. ما فيه أحد يراقب مستوى البيالة عشان يقولك خلص وقتك. البيالة الفارغة تعتبر دعوة لصب الأخرى وليس بالضرورة تعني نهاية الجلسة.
نفس التباين نشوفه في البيوت. عاشق القهوة السوداء يسوّي من ركنه معملاً صغيراً بموازين وأدوات، مهتم بالمحصول وطريقة التحميص والاستخلاص. وعاشق الشاهي يكتفي بإبريق ونار هادئة، والنتيجة “بيالة” خادرة تعدل المزاج، نعناع أو سادة سكر أو بدون سكر. الدقة والبساطة، لكلٍّ منهما منطقه، وما فيه أحد أرقى أو أفخم من الثاني.
في النهاية الشاهي والقهوة وجهان لنفس الثقافة، كل واحد يعبّر عن مزاجه ومشروبه بطريقته، واحد يمنحك إيقاعاً سريعاً وذوقاً متخصصاً، والثاني يمنحك مساحة للسمر والأحاديث الطويلة. والسؤال ليس مين أفضل، بل مزاجك اليوم مع مين.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



