تخطَّ إلى المحتوى

جرّبتها فنفعتني!

alyturk

قراءة في دقيقتان

جرّبتها فنفعتني!

أ.د. رياض بن حمد العمري

من العبارات التي نسمعها كثيراً: «جرّبتها فنفعتني». وصاحبها لا يتحدث عادة عن شيء قرأه أو سمعه، بل عن تجربة عاشها بنفسه؛ تناول دواءً باجتهاد شخصي فتحسنت حالته، أو اتبع نصيحة غير موثقة ثم وقع ما كان يرجوه. وفي مثل هذه الحالات يسهل أن يربط الإنسان بين ما فعله والنتيجة التي جاءت بعده، ويقول بثقة: جرّبتها فنفعتني.

ولا يلزم أن ننكر ما حدث له، فالتجربة قد تكون حقيقية تماماً، لكن السؤال الأهم: هل كان تفسيرها صحيحاً؟

قد يقع التحسن بعد تناول دواء باجتهاد شخصي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدواء هو الذي أحدثه؛ فقد تكون هناك أسباب أخرى أسهمت في التحسن، أو أن الأمرين تزامنا من غير علاقة سببية. وهنا يقع الالتباس: حدوث النتيجة بعد الفعل لا يعني دائماً أنها حدثت بسببه.

كما أن نجاح تجربة مع شخص لا يعني أنها تصلح للجميع. فالناس يختلفون في أجسامهم وظروفهم وأحوالهم، وما ينفع إنساناً في ظرف معين قد لا ينفع غيره في ظرف مختلف. ولهذا قد تكون التجربة الشخصية جديرة بالاهتمام، لكنها لا تكفي وحدها لبناء حكم عام.

وحين تنتقل هذه التجارب إلى منصات التواصل، تتسع دائرة تأثيرها. فقصة نجاح واحدة قد تنتشر بين آلاف الأشخاص، بينما لا نسمع بالقدر نفسه عن الذين جربوا الشيء ذاته ولم يحصلوا على النتيجة نفسها. ومع كثرة التداول قد يتحول الاستثناء في أذهان الناس إلى قاعدة.

لكن المسألة لا تقف عند العلاج أو الغذاء؛ فقد تمتد إلى ممارسات تقوم على دعاوى لا يثبتها دليل معتبر. ومن ذلك بعض ما يروَّج له تحت مسميات العلاج بالطاقة أو التجلي؛ كالأحجار التي يقال إنها تمتص «الطاقة السلبية»، أو جلسات يزعم أنها تعيد توازن «طاقة الجسد»، أو الاعتقاد بأن «الذبذبات» أو توجيه النية إلى الكون يمكن أن تجلب الرزق أو الشفاء أو تغير مجرى الأحداث. وقد يقع بعد هذه الممارسات شيء يوافق رغبة صاحبها، فيجعله دليلاً على صحة الفكرة، مع أن مجرد التوافق لا يثبت أن تلك الممارسة كانت سبباً فيما حدث.

وهنا تظهر أهمية ضبط الأسباب في الشرع؛ فالإنسان لا ينسب التأثير إلى شيء لمجرد أنه جرّبه ووجد بعده نتيجة، ولا يتعلق بأوهام يظنها حقائق.

جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صُفر (نحاس)، فسأله عنها، فقال: من الواهنة -أي للحماية من المرض-، فقال له: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً».

وهذا الميزان نحتاج إليه في كثير من أمور حياتنا؛ في الصحة والتغذية والتربية والعلاقات والعمل والتجارة، كما نحتاج إليه في مسائل الشرع.

فعبارة «جرّبتها فنفعتني» تستحق أن تُسمع، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش فقد تكون التجربة صادقة، ويكون تفسيرها خاطئاً.

 

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.