السؤال الذي يصنع الإجابة؟
قراءة في دقيقتان

د. رياض بن ناصر الفريجي
قضينا زمنًا طويلًا نتعلم كيف نجيب، وربما احتجنا اليوم إلى أن نتعلم كيف نسأل.
فالخبير ننتظر منه جوابًا، والمعلم نسأله ليجيب، والمدير يُطلب منه أن يقدم الحل، والمتحدث الجيد نتوقع منه أن يخبرنا بما يعرف.. لكن في الاتصال، قد تكون هناك مهارة أكثر دقة: أن تعرف متى تتوقف عن تقديم الإجابات، وتطرح السؤال المناسب.
فالإجابة تمنح المتلقي نتيجة جاهزة، أما السؤال الجيد فيدفعه إلى أن يسير بنفسه نحو النتيجة.. وهنا يتغير موقعه في العملية الاتصالية؛ من شخص يستقبل الفكرة إلى شخص يشارك في بنائها.
ولعل من أبلغ صور ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾.
اللافت اتصاليًا هنا أن الأسئلة لا تقدّم النتيجة جاهزة، وإنما تضع الاحتمالات أمام الإنسان وتضيّق دائرتها، ثم تترك عقله يعمل في استبعاد ما لا يستقيم منها؛ وبهذا يصبح المتلقي طرفًا في عملية الاستدلال، ويصل إلى النتيجة عبر تفكيره، بدل أن يتلقاها في صورة تقرير مباشر.
وهنا تكمن إحدى قوى السؤال: أنه ينقل جزءًا من عملية الإقناع من المتحدث إلى المتلقي نفسه.
ولهذا نجد السؤال حاضرًا في التعليم، والمقابلات الإعلامية، والاجتماعات، والقيادة، والاستشارات؛ وقد يغير سؤال واحد جيد مسار نقاش كامل، بينما تمر إجابات كثيرة دون أن تترك أثرًا مماثلًا.
والفرق كبير بين سؤال يُطرح للحصول على معلومة، وسؤال يُطرح لإنتاج التفكير.
لو قال مدير لفريقه: «هذه الخطة لن تنجح بهذه الطريقة»، فقد يدفعهم إلى الدفاع عنها، لكن ماذا لو سألهم: «ما الذي يمكن أن يجعل هذه الخطة تفشل؟»! الموضوع واحد تقريبًا، لكن العملية الاتصالية تغيرت؛ فبدل أن يدافع الفريق عن موقفه، أصبح مدعوًا إلى فحصه.
وهذا ما يجعل صياغة السؤال مهارة اتصالية قائمة بذاتها؛ فالسؤال الرديء قد يقود إلى إجابة سطحية، والسؤال المنحاز قد يستدرج إجابة مقررة سلفًا، أما السؤال الجيد فيفتح مساحة للتفكير لم تكن موجودة قبله.
واليوم يعيد الذكاء الاصطناعي الاعتبار لهذه المهارة بصورة لافتة، إذ أصبح بإمكان الإنسان الحصول على إجابات مطولة خلال ثوانٍ، فأصبح التحدي في موضع آخر: ماذا نسأل؟ وكيف نصيغ السؤال؟ وكيف نختبر الإجابة التي حصلنا عليها؟
ربما أصبح امتلاك الإجابات أسهل، لكن ذلك جعل جودة السؤال أكثر قيمة.
ويأتي نشر هذا المقال بعد يومين من اليوم العالمي للمعلمين؛ ولعل من أجمل آثار المعلم سؤالًا يظل يعمل في عقل الطالب بعد انتهاء الدرس، فالتعليم الذي يعلّم الإنسان كيف يسأل يمنحه أداة تتجاوز حدود المقرر والصف الدراسي.
لذلك ربما نحتاج، في الاتصال والتعليم والإدارة، إلى مراجعة اعتقاد شائع بأن قيمة المتحدث فيما يقدمه من إجابات فقط.
فأحيانًا يكون أقوى ما يمكن أن تقوله للآخر…
سؤالًا يجعله يصل إلى الإجابة بنفسه.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.


