تخطَّ إلى المحتوى

لماذا نصل ولا نشبع؟

alyturk

قراءة في دقيقتان

لماذا نصل ولا نشبع؟

د. سعود النداح

أسهل سؤال يمكن أن تسأله إنساناً هو ماذا تريد من حياتك. وأصعب ما يمكن أن يجيب عنه بصدق. يجيبك الجميع بسرعة: بيت أوسع وعمل أرقى ومناسبة يتحدث عنها الناس وسيارة تليق. ثم تسأل سؤالاً ثانياً: من أين جاءت هذه الرغبة؟ وهنا يتردد الجواب لأن أغلبنا لم يسأل نفسه هذا السؤال قط.

المفكر الفرنسي رينيه جيرار قضى عمره يدرس هذا الأمر وانتهى إلى فكرة بسيطة وموجعة: نحن لا نرغب في الأشياء مباشرة. نرغب فيها لأن شخصاً آخر رغب فيها قبلنا. يرى أحدنا زميله يتحمس لمشروع فيبدأ المشروع يلمع في عينيه هو أيضاً. ويرى الناس تتسابق إلى تخصص أو حي أو طراز فتنتقل الرغبة إليه كما تنتقل العدوى من غير أن يشعر. وسمّى ذلك الرغبة المحاكاتية أي أن الإنسان ينسخ رغباته عن محيطه كما ينسخ لهجته.

والخطر ليس في المحاكاة نفسها فهي طريقة الإنسان في التعلم. الخطر أننا ننسى المصدر. تصل الرغبة إلينا مغلفة بإحساس أنها رغبتنا الأصيلة فندافع عنها ونضحي من أجلها ونؤجل حياتنا لأجلها. ثم نبلغها فلا نجد ما كنا نتوقعه. ولا عجب في ذلك فالذي كنا نشتهيه في الحقيقة هو نظرة الناس إلى من يملكه لا الشيء ذاته.

ولهذا يشعر بعض من حققوا كل ما أرادوا بفراغ لا يفهمونه. وصلوا إلى القمة التي أشار إليها الجميع فاكتشفوا أنها لم تكن قمتهم. والأسوأ أن الرغبة المستعارة لا تشبع لأن هدفها يتحرك مع تحرك من حولنا.

هناك اختبار عملي وسهل. تخيل أن كل من حولك اختفوا غداً ولم يعد أحد يرى بيتك ولا مسمى وظيفتك ولا ما تقتني. ما الذي سيبقى من قائمة رغباتك؟ ما سقط من القائمة في هذا التخيل هو رغبة الجميع وما بقي هو رغبتك أنت. وقد تفاجأ بحجم القائمة الثانية فهي في الغالب أصغر وأهدأ وأرخص لكنها الوحيدة التي إذا بلغتها شبعت.

وليس معنى هذا أن نتمرد على الناس ولا أن نخالفهم تلذذاً بالمخالفة. فالمتمرد لمجرد التمرد ما زال أسيراً لهم لأن رغبته تتحدد بعكس رغبتهم. المقصود أن تعرف أي رغبة تخصك فتمضي إليها ولو لم يصفق لك أحد وأن تترك ما لا يخصك ولو صفق الجميع.

ولعل في اعتقادي أنه في آخر الطريق لا يحزن الإنسان على ما فاته بقدر ما يحزن على ما أدركه وهو لا يريده.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.