تخطَّ إلى المحتوى

الأيديولوجيا التي لا تبحث عن الحقيقة

abdelmagid

قراءة في 3 دقائق

الأيديولوجيا التي لا تبحث عن الحقيقة

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ 

أخطر ما تفعله الأيديولوجيا بالإنسان ليس أنها تمنحه أفكاراً يؤمن بها، بل أنها تمنحه نتيجة جاهزة، ثم ترسله للبحث عن الأدلة التي تثبتها.

و هنا ينقلب معنى البحث كله .. فالباحث الحقيقي يبدأ بسؤال، ثم يذهب إلى المعلومات، و يقبل أن تقوده إلى إجابة لم يكن يتوقعها، أما المؤدلج فيبدأ بالإجابة، ثم يفتش في العالم عن كل ما يسمح له بالعودة إليها.

إن وجد خبراً يؤيد موقفه، نشره قبل أن يسأل عن مصدره، و إن وجد دراسة توافقه، أصبحت «دليلاً علمياً»، و إن وجد رقماً يخدمه، اقتطعه من سياقه، أما إذا واجه خبراً صحيحاً يهدم روايته، بدأ فجأة يطالب بالتثبت، و إذا ظهرت دراسة تناقضه، ناقش الجهة التي أصدرتها، و إذا جاءت الأرقام ضده، شكك في طريقة جمعها.

المعيار هنا لا يتغير بحسب قوة الدليل، بل بحسب اتجاهه، و هذا هو الانحياز التأكيدي في صورته الأوضح، ألا تبحث عما إذا كنت مخطئاً أو مصيباً، بل تبحث عما يساعدك على البقاء مصيباً في عيني نفسك.

و لهذا قد يقرأ شخصان المادة نفسها، ثم يخرج كل واحد منهما أكثر اقتناعاً بما كان يؤمن به قبل أن يقرأها، لم تكن القراءة عندهما رحلة اكتشاف، بل عملية انتقاء، كل واحد أخذ ما يناسب البناء الموجود في رأسه، و ترك ما يهدده.

المشكلة تصبح أخطر عندما تتحول الفكرة إلى هوية ، عندما لا يعود الإنسان يقول «هذا رأيي»، بل يصبح رأيه جزءاً من تعريفه لنفسه، فإن المعلومة المخالفة لا تعود معلومة، تصبح اعتداءً شخصياً، و نقد الفكرة يصبح نقداً لصاحبها، و الاعتراف بخطئها لا يبدو تصحيحاً معرفياً، بل هزيمة نفسية.

عندها تبدأ الأيديولوجيا في بناء جهازها الدفاعي الخاص ..
الدليل المؤيد «حقيقة»، و الدليل المعارض «مؤامرة»، الخبير الموافق «مرجع»، و الخبير المخالف «مأجور»، المصدر الذي يخدم الرواية «موثوق»، و المصدر نفسه، إن نشر غداً ما يناقضها، يصبح «مشبوهاً».
و هكذا يستطيع الإنسان أن يعيش سنوات داخل منظومة فكرية مغلقة، بينما يعتقد أنه يمارس التفكير النقدي.

ثم جاءت المنصات الرقمية لتمنح هذه الظاهرة قوة لم تكن تملكها من قبل.
الخوارزمية تعرف أنك توقفت أمام محتوى معين، فتقدم لك المزيد منه، تلاحظ أنك تتفاعل مع رأي محدد، فتملأ شاشتك بأصحابه، و بعد أشهر، قد تنظر حولك رقمياً فتجد أن الجميع تقريباً يتفقون معك.

فتصل إلى الاستنتاج الأخطر، «إذا كان الجميع يرون ما أراه، فلا بد أنني على حق».
لكن الجميع ليسوا الجميع ، إنهم فقط الأشخاص و الآراء و المقاطع التي نجحت الخوارزمية في جمعها حولك.

لهذا أصبحت بعض الأيديولوجيات اليوم لا تحتاج إلى منع أتباعها من قراءة الرأي الآخر، يكفي أن تجعلهم لا يصادفونه أصلاً، أو لا يثقون به عندما يصادفونه.

و هنا نصل إلى الاختبار الأصعب لأي صاحب فكرة .. و هو ليس أن تسأله عن الأدلة التي تؤيد موقفه، فهذا سهل ..بل اسأله، «ما الدليل الذي لو ثبت، سيجعلك تغير رأيك؟».

إذا استطاع أن يجيب، فما زالت لديه فكرة قابلة للنقاش ، أما إذا كانت كل حقيقة مؤيدة تثبت موقفه، و كل حقيقة معارضة يمكن تفسيرها بطريقة تثبت الموقف نفسه، فنحن لم نعد أمام فكرة تبحث عن الحقيقة .. بل نحن أمام عقيدة حصّنت نفسها ضد الحقيقة.

و الفارق بين الباحث و المؤدلج ليس أن الأول بلا قناعات، بل أن الباحث يسمح للحقيقة بأن تهزم قناعته.
أما المؤدلج، فيبحث طويلاً، و يقرأ كثيراً، و يجمع عشرات الأدلة، ثم يعود سعيداً إلى المكان نفسه الذي قرر منذ البداية ألا يغادره.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.