للفائز «خُطَّة» .. وللخاسر «عُذْر»!
قراءة في 3 دقائق

أحمد الفهيد
(١)
في عام 2015، وبعد واحدة من أشهر نزالات الملاكمة في التاريخ، الموسومة بـ«نزال القرن»، فاز الأميركي «فلويد مايويذر» على الفلبيني «ماني باكياو» بقرار الحكام، وما إن انتهى النزال حتى بدأت التفسيرات تتدفق، إصابة في الكتف، وظروف لم تكن مثالية، وأسباب قيل إنها حرمت الخاسر من تقديم مستواه الحقيقي.
(٢)
حينها كتب «مايويذر» عبارة أصبحت في ما بعد من أشهر العبارات في «عالم الرياضة»:
«الفائزون يفوزون، والخاسرون لديهم الأعذار».
قد تبدو العبارة مستفزة، لكنها تطرح سؤالًا يستحق التأمل: ما الذي يفعله الإنسان بعد الهزيمة؟!.
(٣)
ليس المقصود أن كل من يخسر يبحث عن الأعذار، ولا أن كل خسارة عادلة أو خالية من الأخطاء، فالتحكيم قد يخطئ، والإصابات قد تؤثر، والظروف قد تكون قاسية، لكن الفرق الحقيقي لا يظهر في أثناء المباراة، إنه يظهر بعدها.
هناك من يتعامل مع الهزيمة باعتبارها معلومة يجب تحليلها، وهناك من يتعامل معها باعتبارها تهديدًا يجب تبريره.
(٤)
الفئة الأولى تسأل: أين أخطأنا؟.. ماذا كان ينقصنا؟.. كيف نصبح أفضل؟!.
أما الفئة الثانية فتسأل: من يحاربنا؟.. من ظلمنا؟.. لماذا لم تكن الظروف في صالحنا؟.
النتيجة واحدة في الحالتين: الخسارة حدثت .. لكن المستقبل يختلف تمامًا.
ولهذا فإن أحد أعظم المقولات المنسوبة إلى المدرب الأميركي الأسطوري «فينس لومباردي» تلخص الفارق بين العقليتين:
«الفائز جزء من الحل دائمًا، أما الخاسر فجزء من المشكلة .. للفائز خطة، وللخاسر عذر!».
(٥)
الفائز لا يكتفي بالرغبة في الانتصار، لديه خطة، ومنهج، وانضباط، ومراجعة مستمرة.
أما من يعتاد الأعذار، فإنه يستبدل الخطة بالرواية، والعمل بالتبرير.
ولذلك قال المدرب الأميركي «بيل بارسيلز» عبارته الشهيرة: «أنت ما تقوله نتائجك».
(٦)
إنها من أكثر العبارات قسوة في الرياضة، لأنها ترفض تمامًا الفصل بين الإنسان ونتائجه.
لا تقل إنك الأفضل إذا كانت النتائج لا تؤيد ذلك، ولا تقل إنك تستحق الفوز إذا كنت تخسر باستمرار، فالنتائج ليست رأيًا، وليست أمنيات، وليست حملة إعلامية، النتائج هي الحقيقة الوحيدة التي لا تجامل أحدًا.
(٧)
وهذا لا يعني أن النتائج لا يمكن تحسينها، وإنما يعني أن تحسينها يبدأ بالاعتراف بها كما هي، لا كما نتمنى أن تكون .. تمامًا كما قال الرئيس الأميركي الأسبق «ريتشارد نيكسون»: «علامة الخاسر النبيل أنه يوجّه غضبه إلى نفسه، لا إلى خصمه المنتصر».
(٨)
إنها دعوة إلى محاسبة الذات قبل محاسبة الآخرين، وإلى تحويل ألم الهزيمة إلى دافع للتطوير، بدل تحويله إلى غضب تجاه الخصم، أو إلى قائمة طويلة من المبررات.
فالأعذار لا تغير النتيجة، لن تضيف هدفًا إلى لوحة المباراة، ولن تحول الهزيمة إلى فوز، ولن تجعل المنافس أقل استحقاقًا.
كل ما تفعله الأعذار أنها تمنح صاحبها راحة مؤقتة، مقابل ثمن باهظ، هو «توقف التعلم».
(٩)
عندما يصبح سبب الإخفاق دائمًا خارج إرادتك، فلن تجد سببًا لتغيير نفسك.
وعندما تقتنع بأن المؤامرة هي السبب، فلن تبحث عن الخطأ في الإعداد.
وعندما تلقي اللوم على الحكم، فلن تراجع أداءك.
وعندما تكتفي بالحديث عن الحظ، فلن تطور مهاراتك.
وهكذا تتحول الأعذار من وسيلة لتخفيف الألم، إلى عائق يمنع التقدم.
(١٠)
ولهذا فإن أعظم الرياضيين لا يُحكم عليهم بما يفعلونه بعد الفوز، وإنما بما يفعلونه بعد الهزيمة.
الفوز يمنحك الثقة .. أما الهزيمة، إذا واجهتها بصدق، فهي التي تمنحك فرصة التطور.
ولهذا فإن السؤال الذي يصنع الأبطال ليس: «من المسؤول عن خسارتنا؟!»، إنما هو: «ما المسؤولية التي تقع علينا حتى لا نخسر مجددا؟».
(١١)
الانتصارات تُبنى في ملاعب التدريب، لا في ساحات التبرير، والتاريخ الرياضي لا يتذكر من امتلك أفضل الأعذار، بل من امتلك الشجاعة الكافية ليواجه الحقيقة، ويتحمل مسؤوليته، ويعود أقوى.
لأن الأعذار قد تحمي الكبرياء ليوم واحد .. أما تحمل المسؤولية، فهو الذي يصنع الانتصارات لسنوات.
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



