تخطَّ إلى المحتوى

لا يمكن إغلاق كل النوافذ

alyturk

قراءة في دقيقتان

لا يمكن إغلاق كل النوافذ

أ.د. رياض بن حمد العُمري

أكاديمي متخصص في العقيدة والمذاهب المعاصرة

يحمل أبناؤنا اليوم في أجهزتهم الذكية نوافذ مفتوحة على العالم كله. مقطع قصير يحمل فكرة، ومؤثر يصنع انطباعًا، وإجابة منمقة عبر الذكاء الاصطناعي. وفي بضع دقائق قد تمر أمامهم أفكار لم تكن تصل إلى أجيال سابقة في أيام أو أسابيع.

ومع هذا الواقع، لم يعد السؤال: كيف نغلق هذه النوافذ؟ فهذا لم يعد ممكنًا. لكن الأهم: كيف نبني وعيًا يساعدهم على معرفة ماذا يأخذون، وماذا يتركون، ومتى يتوقفون ليسألوا؟

هنا يأتي الحديث عن الأمن الفكري بما يتجاوز مجرد المنع والمراقبة. فالأمن الفكري لا يعني إبعاد الأبناء عن الأسئلة أو الأفكار المختلفة، ولا أن نفكر بالنيابة عنهم، بل أن نمنحهم القدرة على التفريق بين الرأي الشخصي والمعلومة الموثقة، وبين ما يستند إلى العلم وما يقوم على الظن.

والمشكلة ليست في السؤال، بل أحيانًا في المكان الذي يبحث فيه الأبناء عن الجواب. فإذا لم يجدوا مساحة للحوار داخل الأسرة، فقد يبحثون عنه في حساب مجهول، أو مقطع عابر، أو مصدر غير موثوق.

ولهذا يبقى الحوار داخل الأسرة من أهم وسائل الحماية. فحين يعرف الأبناء أنهم يستطيعون أن يسألوا دون خوف أو حرج، تبقى الأسرة حاضرة في وعيهم مهما اتسعت دائرة المؤثرات حولهم.

ومن المهم أيضًا أن يعتاد الأبناء التثبت، وأن يسألوا: هل هذه المعلومة صحيحة فعلًا؟ وكيف أتأكد منها؟ فانتشار المعلومة وكثرة مشاهداتها لا يعنيان صحتها.

ويزداد الأمر أهمية حين يتعلق بمسائل تمس المعتقدات الدينية، أو الثوابت الوطنية، أو القيم الأخلاقية؛ فالتأثير فيها لا يأتي دائمًا في صورة اعتراض صريح، بل قد يأتي على هيئة سؤال جذاب، أو قصة مؤثرة، أو مقطع ساخر، أو تفسير يبدو مقنعًا. وهنا تبرز أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة وأهل العلم والاختصاص.

ولا يعني ذلك رفض التقنية أو الانغلاق عن العالم؛ فهذه الوسائل تفتح نوافذ واسعة للمعرفة والتعلم والتواصل. لكن كلما اتسعت هذه النوافذ، ازدادت أهمية بناء الوعي.

لن نستطيع إغلاق كل نافذة، ولن نعرف كل ما يراه أبناؤنا ويسمعونه. لكننا نستطيع أن نمنحهم ما هو أهم: وعيًا يساعدهم على معرفة ما يستحق أن يدخل عقولهم، وما ينبغي أن يبقى خارجها.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.