تخطَّ إلى المحتوى

هل يمكن أن يكون المتطرف لطيفًا؟

alyturk

قراءة في دقيقتان

هل يمكن أن يكون المتطرف لطيفًا؟

أ. د. رياض بن حمد العُمري

حين نسمع كلمة «متطرف» قد تتشكل في أذهاننا صورة شخص غاضب، حادّ اللغة، يرفض الآخرين ويعلن مواقفه بوضوح. لكن الواقع الفكري أكثر تعقيدًا من هذه الصورة؛ فالفكرة المتطرفة لا تأتي دائمًا في ثوب خشن، وقد يقدمها شخص هادئ، حسن الحديث، قريب من الناس، بل وربما شديد الجاذبية في أسلوبه.

بل إن الصورة النمطية للمتطرف بوصفه شخصًا غاضبًا وعدائيًا قد تكون جزءًا من المشكلة؛ لأنها تجعلنا أقل انتباهًا إلى الأفكار المتطرفة حين يقدمها شخص هادئ.

وهنا تكمن المشكلة: أن ننظر إلى صاحب الفكرة قبل أن ننظر في الفكرة نفسها.

والانخداع بحسن الظاهر وجاذبية القول أمر قد يقع فيه الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4]. فحسن الظاهر ولطف الحديث لا يكفيان للحكم على صحة الفكرة التي يحملها الإنسان.

ومن هنا قد ينتقل إعجابنا بالشخص إلى أفكاره من غير أن نشعر؛ فنطمئن إلى رأيه لأننا اطمأننا إلى أسلوبه، ونقبل بعض مواقفه لأن صورته لدينا كانت إيجابية. مع أن الحكم على الفكرة ينبغي أن يكون مستقلًا عن الانطباع الذي يتركه صاحبها.

وتزداد أهمية هذا المعنى في زمن المنصات الرقمية؛ فالمتلقي لا يستقبل الفكرة مجردة، وإنما يراها مرتبطة بصورة صاحبها وحضوره، وقد تسبق الثقة بالشخص أحيانًا فحص ما يقوله.

ولهذا فإن بعض الأفكار الخطرة لا تنتشر بالقوة، بل من خلال العاطفة؛ فقد تبدأ بمظلمة، أو سؤال، أو دعوة إلى الإصلاح تستثير العاطفة، ثم تتدرج حتى يجد المتلقي نفسه داخل منظومة فكرية لم يشعر كيف دخل إليها.

وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا المعنى في وصف الخوارج، وهم من أبرز الفرق التي عُرفت بالغلو والتطرف، فقال محذرًا: «يقولون من خير قول البرية» أي يتكلمون بكلام حسن يشبه الحق، مع فساد ما يحملونه من غلو وانحراف. ولهذا لما قالوا: «لا حكم إلا لله»، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كلمة حق أريد بها باطل».

إن صحة الأفكار لا تُعرف بابتسامة أصحابها وحسن صياغتها، وإنما بمضمونها وإلى أين تقود. فاللطف في التعامل شيء، وصحة الفكرة شيء آخر.

شارك الخبر

شاركه كتصميم

حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام

بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.