هل أنت كريم وهل خطف مفهوم الكرم؟
قراءة في 4 دقائق

أحمد العرفج
في البدء أقول — ومعذرةً على الصراحة المبكرة — نحن أمّةٌ اختزلت الكرم كلّه في (خروفٍ) مسكين! كأنّ الجود لا يُثبَت إلا بشهادة وفاةٍ صادرة من المسلخ، وكأنّ المروءة لا تُقاس إلا بعدد الأطباق على (المفرش)، وكأنّ حاتماً الطائيّ — رحمه الله — لم يُخلّده التاريخ إلا لأنه كان جزّاراً ماهراً!
وأنا هنا لا أدعو إلى البخل، معاذ الله، فالبخل صفةٌ لا يحبّها أحد، حتى البخيل نفسه لا يحبّها في غيره! لكنني أدعو إلى (توسيع الرُّقعة)، إلى فتح أبوابٍ للكرم غير باب المطبخ. وقد عددتُها فوجدتها عشرين باباً، وربما أكثر، لكن العشرين تكفي لهذا الصباح:
أولاً: كرم الوقت. أن تقتطع من يومك جزءاً لمن يحتاج أذنك لا جيبك. والوقت — يا سادة — أغلى من الذبيحة، لأن الذبيحة تُشترى، والوقت لا يُشترى.
ثانياً: كرم المشاعر. أن تُظهر الحبّ والتقدير والامتنان لمن حولك، فكم من رجلٍ أطعم الناس لحماً، وأجاع أهله من كلمةٍ حلوة!
ثالثاً: كرم التغافل. أن تغضّ الطرف عن زلّات الأهل والأصدقاء. وقديماً قالوا: تسعة أعشار العقل تغافل. وأنا أقول: بل تسعة أعشار العلاقات!
رابعاً: كرم العلم. أن تنشر المعرفة وتدلّ عليها، لا أن تحتكرها كما يحتكر التاجر السلعة انتظاراً لارتفاع السعر.
خامساً: كرم الابتسامة. وهو أرخص أنواع الكرم وأقلّها كُلفةً وأكثرها ندرة! ولو كانت الابتسامة تُباع بالكيلو لرأيت الأسواق فارغة.
سادساً: كرم الكلمة الطيبة. فقل خيراً، ودَعْ عنك الكلمات الجارحة التي تُداوى جروحها في عشرين سنة.
سابعاً: كرم الاعتذار. أن تقول: أخطأت. كلمتان فقط، لكنّ بعض الرجال يُفضّل أن يذبح عشرين خروفاً على أن ينطق بهما!
ثامناً: كرم النصيحة. المشورة الصادقة لمن طلبها — لاحظ: لمن طلبها — فالنصيحة غير المطلوبة تُسمّى في العُرف الحديث: فضولاً.
تاسعاً: كرم المدح. أن تُشيد بإنجاز غيرك علناً. وهذا أشقّ أنواع الكرم على النفس، لأن اللسان يجود بالثناء على الميّت أسرع مما يجود به على الحيّ و قد يمتد هذا الكرم إلى مواقع التواصل حيث تثني و تعجب بمن ترى أنه يستحق الاعجاب و تكتب اعجابك أمام الناس و تعيد نشر المواد التي نالت رضاك .. و هذا من أصدق أنواع الكرم ..
عاشراً: كرم الإصلاح. أن تسعى بين المتخاصمين لتقريب وجهات النظر، لا أن تنقل الأخبار لتزيد الطين بلّة.
الحادي عشر: كرم الاحترام. توقير الكبير وتقدير الصغير، بغضّ النظر عن المنصب والمكانة و(كم يتبعه من متابعين).
الثاني عشر: كرم الدعاء. بظهر الغيب، للأهل والأصدقاء والمسلمين أجمعين. كرمٌ لا يكلّفك ريالاً، ولا يعلمه أحد، وهذه ميزته.
الثالث عشر: كرم الاستضافة الفكرية. أن تستضيف رأياً يخالفك في عقلك، لا في مجلسك فقط. وأكثرنا يفتح بيته للضيوف ويُغلق رأسه بالضبّة والمفتاح!
الرابع عشر: كرم الصبر. أن تحتمل طباع الناس الصعبة وتقابلها بالحِلم والأناة.
الخامس عشر: كرم الجوار. أن تتفقّد جارك وتُعينه وتحفظ غيبته. والجيران اليوم يتشاركون الجدار ولا يتشاركون السلام!
السادس عشر: كرم الوفاء بالوعد. الالتزام التام بالعهد حتى لو كان على حساب مصلحتك. وهذا — وحده — يكفي لتمييز الرجال.
السابع عشر: كرم إفشاء السلام. أن تبدأ بالتحية على من عرفت ومن لم تعرف، زرعاً للطمأنينة في الطرقات.
الثامن عشر: كرم التيسير. السماحة في البيع والشراء، والرفق بالمُعسر، وإنظاره إلى ميسرة.
التاسع عشر: كرم الإنصات. أن تُعطي المتحدّث كامل انتباهك دون مقاطعة. وأزمتنا الكبرى — يا صديقي — أننا لا نستمع، بل ننتظر دورنا في الكلام!
العشرون: كرم إماطة الأذى. أن تُنظّف الطريق وترفع الضرر عن مسارات الناس، كرماً مع الأرض التي تحملك.
وأما بعد.. فلي ملاحظاتٌ على كرمنا المعاصر
أولاً: الهياط! صار الكرم استعراضاً، ووليمةً تُقام أساساً لأجل (الكاميرا)، فالطعام يُصوَّر أولاً ثم يُؤكل — إن بقي منه شيء. وهكذا انتقل الجود من قلب الكريم إلى معرض الصور.
ثانياً: الإكراه في الدعوة! يقسم عليك بالأيمان المغلّظة حتى تأكل، وقد قالوا: “إكرام النفس هواها”، فمن الكرم أن تُكرم ضيفك بأن تدعه وشأنه.
ثالثاً: تحميل الإنسان فوق طاقته. والعرب تقول: “المعروف رِقٌّ، وردّه عِتق”. فكم من معروفٍ ثقيلٍ حوّل صاحبه من صديقٍ إلى دائن، ومن مُكرَمٍ إلى أسير!
رابعاً: الحرج الاجتماعي. كم من رجلٍ تهرّب من المناسبات كلّها، لا لأنه يكره الناس، بل لأنه لا يملك ثمن (الردّ) بذبيحة مثلها! وهكذا يتحوّل الكرم إلى سباقٍ يُقصي الفقير.
خامساً: انتهى زمن الكرم الغذائيّ. نحن في وطنٍ عظيم — السعودية — تتوفّر فيه آلاف المطاعم المتميّزة، وفي كل حيٍّ مطبخٌ يفوق مطبخك مهارةً. فما الفائدة من إرهاق الزوجة والأولاد ثلاثة أيام لأجل عشاءٍ ينتهي في ثلاثين دقيقة؟
سادساً: المفهوم المغلوط لـ “القيام بالواجب”. فقولك للضيف: “لم نقم بالواجب” يُشعره بأنه ثقيلٌ لم يُوفَّ حقّه، وهو في الغالب قد شبع حتى عجز عن القيام! ثم إنّ الواجب — على الحقيقة — عبادةٌ لا وليمة.
حسناً، ماذا بقي؟
بقي أن أقول: الكرم ليس فاتورة، ولا وزناً باللحم، ولا صورةً في مجموعةٍ على الواتساب. الكرم سعةٌ في النفس قبل أن يكون سعةً في المائدة.
هذا ما أراه، وهذه فكرتي عن الكرم… فما فكرتكم أنتم؟
شاركه كتصميم
حوّل الخبر إلى بطاقة بهوية الوئام
بطاقة جاهزة للنشر — الصورة والعنوان وشعار الصحيفة — بمقاس الستوري أو المربع أو العريض، بالفاتح أو الغامق. تُنشأ بنقرة وتُحفظ في جهازك مباشرة.



